صوت الصحراء
معطيات صادرة عن كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري تكشف عن توسع لافت في البحث العلمي البحري بالمغرب، من خلال رفع أيام الإبحار العلمي، وتجديد الأسطول البحثي، وتقييم عشرات المخزونات والأنواع البحرية، في إطار مقاربة تجعل العلم أساساً لتدبير الثروة السمكية وضمان استدامتهاالعلم في خدمة استدامة البحر.. المغرب يعزز أسطوله البحثي لحماية الثروة السمكيةالعلم في خدمة استدامة البحر.. المغرب يعزز أسطوله البحثي لحماية الثروة السمكية.
في البحر، لا يكفي أن نعرف ماذا نصطاد، بل أصبح السؤال الأهم: ماذا يوجد في البحر؟ وما حجم المخزونات؟ وكيف تتطور؟ وما الذي يمكن استغلاله دون المساس بقدرتها على التجدد؟
أسئلة يبدو أن المغرب يعمل على الإجابة عنها من خلال توسيع منظومة البحث العلمي البحري، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية التي تستند إليها عملية تدبير المصايد وحماية الموارد البحرية.
ووفق معطيات كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، فقد شهدت السنوات الخمس الأخيرة ارتفاعاً في عدد أيام الإبحار العلمي من 350 يوماً إلى 545 يوماً، في مؤشر يعكس توسع نطاق الحملات العلمية والرصد الميداني للموارد البحرية.
أسطول علمي في خدمة البحر
وفي إطار تحديث وسائل البحث، تم اقتناء سفينة الأبحاث الأوقيانوغرافية “الحسن المراكشي” باستثمار بلغ حوالي 462 مليون درهم.
وحسب المعطيات نفسها، يضم الأسطول البحثي المغربي حالياً 6 سفن علمية، فيما تجاوزت الاستثمارات الموجهة إلى تحديث هذا الأسطول 500 مليون درهم.
وتكتسي هذه الاستثمارات أهمية خاصة، باعتبار أن السفن العلمية تشكل مختبرات متحركة تسمح للباحثين بالوصول إلى مناطق مختلفة من المجال البحري، وجمع المعطيات الضرورية حول حالة الموارد والأنظمة البيئية.
أكثر من 60 نوعاً بحرياً تحت التتبع
وتفيد معطيات كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري بأن عمليات البحث والتتبع العلمي تشمل أكثر من 60 نوعاً بحرياً، إلى جانب تقييم 33 مخزوناً سمكياً.
وتشكل هذه التقييمات إحدى الركائز الأساسية لتحديد وضعية المخزونات وتطورها، وبالتالي توفير المعطيات التي تساعد على اتخاذ قرارات تتعلق بتدبير المصايد ومستويات الاستغلال.
كما تشير المعطيات الرسمية إلى أن أزيد من 96 في المائة من المصايد تتم تدبيرها بشكل مستدام، بالتوازي مع وضع أكثر من 30 مخططاً لتهيئة المصايد.
وتعكس هذه المقاربة انتقال تدبير الموارد البحرية من منطق الاستغلال إلى منطق أكثر شمولاً، يقوم على المعرفة العلمية والتخطيط والمراقبة والحفاظ على قدرة المخزونات على التجدد.
أكثر من 35 رحلة بأعالي البحار سنوياً
ولا يقتصر العمل العلمي على الدراسات النظرية، إذ تتخذ الأبحاث طابعاً ميدانياً واسعاً.
ووفق المعطيات المقدمة من كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، يتم إنجاز أكثر من 35 رحلة علمية بأعالي البحار سنوياً، إضافة إلى 24 رحلة ساحلية.
وتوفر هذه الحملات معطيات متجددة حول الموارد البحرية، وتساعد على رصد التحولات التي قد تطرأ على المخزونات والنظم البيئية.
8 محميات بحرية لتعزيز الحماية
وبموازاة البحث العلمي وتدبير المصايد، تم إحداث 8 محميات بحرية، في إطار تعزيز حماية النظم البيئية والمناطق ذات الأهمية البيولوجية.
وتكتسي هذه المحميات أهمية في المحافظة على التنوع البيولوجي وإتاحة ظروف ملائمة لتجدد الموارد، بما ينسجم مع أهداف الاستدامة وحماية الثروة البحرية.
البحث العلمي وتربية الأحياء المائية
كما تمتد استراتيجية دعم البحث والابتكار إلى مجال تربية الأحياء المائية، الذي أصبح أحد المكونات المهمة للاقتصاد الأزرق.
وفي هذا الإطار، تشير معطيات كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري إلى تخصيص 110 ملايين درهم لبنيات البحث في تربية الأحياء المائية، بهدف دعم الابتكار وتطوير المعرفة العلمية والتقنية المرتبطة بهذا النشاط.
الداخلة وادي الذهب.. البحث العلمي كرافعة لحماية الثروة البحرية
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنسبة إلى جهة الداخلة وادي الذهب، التي يرتبط اقتصادها بشكل وثيق بالبحر وبقطاع الصيد البحري، سواء تعلق الأمر بالصيد الساحلي أو الصيد في أعالي البحار أو الأنشطة المرتبطة بسلسلة القيمة البحرية.
فالاستدامة بالنسبة إلى مهنيي القطاع ليست مجرد شعار، وإنما شرط أساسي لاستمرار النشاط الاقتصادي والحفاظ على مصدر رزق آلاف الأسر المرتبطة بالبحر.
ومن هذا المنطلق، فإن توسيع البحث العلمي وتوفير معطيات دقيقة حول المخزونات البحرية يمكن أن يشكل عاملاً مساعداً على بناء قرارات أكثر توازناً، تراعي حماية الموارد وفي الوقت نفسه مصالح المهنيين واستمرارية النشاط.
كما أن معرفة تطور المخزونات وتوزيعها ومستويات استغلالها تساعد على بناء مخططات تهيئة أكثر دقة، قادرة على مواكبة خصوصية كل منطقة وكل نوع من الموارد البحرية.
من السفينة العلمية إلى القرار
الأرقام التي قدمتها كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري ترسم صورة واضحة عن حجم الاستثمار في المعرفة البحرية: 545 يوماً من الإبحار العلمي، 6 سفن بحثية، أكثر من 60 نوعاً بحرياً تحت التتبع، 33 مخزوناً سمكياً خاضعاً للتقييم، أكثر من 30 مخططاً لتهيئة المصايد، 8 محميات بحرية، واستثمارات تتجاوز 500 مليون درهم لتحديث الأسطول العلمي.
وهي معطيات تؤكد أن مستقبل البحر لا يمكن أن يبنى بالاستغلال وحده، بل يحتاج إلى العلم والرصد والتخطيط والحماية.
وبالنسبة للمغرب، فإن الاستثمار في البحث العلمي البحري يعني أيضاً الاستثمار في مستقبل الاقتصاد الأزرق، وفي استمرارية قطاع الصيد، وفي حماية الثروة السمكية من الاستنزاف.
أما بالنسبة للمهنيين، خصوصاً بجهة الداخلة وادي الذهب، فتبقى الرهان الأساسي هو أن تتحول هذه المعرفة العلمية إلى قرارات عملية ومتوازنة، تضمن استدامة الموارد، وتحافظ على دينامية القطاع، وتمنح للصيد البحري مكانته كرافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فالبحر لا يحميه حجم الأسطول وحده.. بل تحميه المعرفة التي تحدد كيف ومتى وكم نصطاد.