صوت الصحراء
يعود الجدل من جديد حول المخطط الأخضر، المشروع الذي كان يُروج له كركيزة أساسية للنهوض بالقطاع الفلاحي وتحقيق التنمية، لكن الواقع يكشف عن صورة مغايرة تمامًا. فرغم الميزانيات الضخمة التي رُصدت لهذا المخطط، لا تزال أسعار الخضر والفواكه في ارتفاع مستمر، في وقت استفاد منه فلاحون كبار ووسطاء أصبحوا من الأثرياء، بينما ظل صغار الفلاحين يعانون من التهميش والهشاشة.
محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، يثير تساؤلات جوهرية حول مصير الأموال التي ضُخت في هذا البرنامج، وكيف تم توزيعها، ومن استفاد منها. كما يؤكد أن المجلس الأعلى للحسابات مطالب بفتح تحقيق شامل للكشف عن أوجه صرف هذه الميزانيات ومدى تحقيقها للأهداف المعلنة، خاصة وأن المال العام يُفترض أن يكون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية، لا وسيلة لإثراء فئة محدودة.
لكن المخطط الأخضر ليس سوى نموذج من سلسلة مشاريع كبرى شهدت اختلالات، على غرار قطاع المحروقات الذي يُتهم بعض الفاعلين فيه بالتلاعب بالأسعار لتحقيق أرباح خيالية، وقطاع الصيد البحري حيث تُطرح تساؤلات حول من يستفيد فعليًا من الثروات البحرية، ناهيك عن البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم الذي كلف المليارات دون نتائج ملموسة، وصندوق تنمية العالم القروي الذي لم يحقق الأثر المرجو في تقليص الفجوة بين المدن والقرى.
الفساد أصبح عقبة حقيقية أمام أي محاولة لتحقيق التنمية، حيث تُوجه أصابع الاتهام إلى نظام يحمي النافذين ويمنحهم امتيازات على حساب المصلحة العامة. ورغم وجود مؤسسات مكلفة بالمراقبة والمحاسبة، فإن تساؤلات تُطرح حول مدى قدرتها على التعامل بجدية مع هذه الملفات، وهل ستقتصر التحقيقات على بعض المنتخبين والمسؤولين الصغار لإعطاء الانطباع بأن هناك حربًا على الفساد، بينما يظل “الحيتان الكبار” بعيدين عن أي مساءلة؟
هذا الوضع يعزز الشعور بالظلم لدى المواطنين ويضعف الثقة في المؤسسات، مما يشكل تهديدًا حقيقيًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فإما أن تتحرك الدولة بجدية لفرض الشفافية والمحاسبة، أو أن يستمر الفساد في التغلغل، ليصبح أكثر خطورة في المستقبل.