الوليدية على صهوة التبوريدة.. موسم مولاي عبد السلام الغواص يعيد اكتشاف المدينة من بوابة التراث والسياحة

صوت الصحراء

على إيقاع صهيل الخيول ودوي البارود، تعيش مدينة الوليدية خلال الفترة الممتدة من 28 إلى 31 غشت 2026 على وقع فعاليات موسم الولي الصالح مولاي عبد السلام الغواص، الذي يتزامن هذه السنة مع الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، في تظاهرة تجمع بين الفروسية التقليدية والذاكرة الشعبية والحركية التجارية، وتبرز في الوقت نفسه مؤهلات المدينة في جعل تراثها الثقافي والطبيعي رافعة للتنمية والسياحة.

وتشهد فعاليات التبوريدة المنظمة في إطار الموسم مشاركة 53 سربة وأكثر من 750 فارساً قدموا من مناطق مختلفة من المملكة، في مشهد يعكس استمرار حضور الفروسية التقليدية في الذاكرة الثقافية والاجتماعية للمغاربة، ويؤكد جاذبية هذا الموروث لدى الجمهور.

ومن بين السربات المشاركة، تبرز سربة بوشان التي تحمل اسم “الوحدة”، والتي حضرت ضمن هذا الموعد التراثي في أجواء احتفالية تعكس مكانة التبوريدة باعتبارها أحد أبرز مكونات الذاكرة الشعبية المغربية، حيث تتقاطع مهارات الفرسان وجمالية الخيول مع دقة الأداء الجماعي ولحظة إطلاق البارود التي تظل من أكثر لحظات العرض استقطاباً للجمهور.

وتنظم التظاهرة جمعية الوليدية للفروسية بشراكة مع جماعة الوليدية، وسط حضور جماهيري لافت، حيث تحولت فضاءات العرض إلى ساحات مفتوحة تستعرض فيها السربات مهارات الفرسان وجمالية الخيول وانضباط الأداء، في مشهد يجمع بين قوة الفرجة وعمق الموروث الثقافي.

ولا تبدو التبوريدة في موسم مولاي عبد السلام الغواص مجرد فقرة احتفالية عابرة، بل تبرز باعتبارها مكوناً يمكن أن يساهم في تعزيز المنتوج الثقافي والسياحي للوليدية، خصوصاً أن المدينة تتوفر على مؤهلات طبيعية جعلتها لسنوات وجهة معروفة لدى المصطافين، وفي مقدمتها الشاطئ والبحيرة والمجال الساحلي.

وتفتح هذه التظاهرة الباب أمام إمكانية الربط بين السياحة الطبيعية والسياحة الثقافية، بحيث لا يقتصر حضور الزائر على الاستمتاع بالبحر والبحيرة، وإنما يمتد إلى اكتشاف جانب من التراث المغربي الأصيل، وهو ما يمكن أن يساهم في تنويع العرض السياحي وإطالة مدة إقامة الزوار.

ومن شأن اعتماد رؤية أكثر شمولاً للمواسم والمهرجانات والتظاهرات التراثية أن يحولها من مناسبات محدودة زمنياً إلى عناصر ضمن أجندة ثقافية وسياحية سنوية، بما يسمح للوليدية باستثمار خصوصيتها ومؤهلاتها الطبيعية والثقافية في خلق حركية متواصلة على مدار السنة.

غير أن تنظيم تظاهرة بهذا الحجم، بمشاركة 53 سربة وأكثر من 750 فارساً، يفرض تحديات تنظيمية ولوجستيكية كبيرة، بالنظر إلى العدد الكبير من الخيول والفرسان والجمهور الذي يتوافد على فضاءات العرض.

ويتطلب الأمر توفير ظروف مناسبة لإيواء الخيول واستقبال الفرسان، وتنظيم حركة الجمهور، وتأمين محيط العروض، وضمان شروط السلامة، إلى جانب التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما في ذلك السلطات المحلية والمصالح الأمنية والوقاية المدنية.

وفي هذا السياق، نوه مولاي حسن الطالبي، عضو الغرفة الأطلسية الجنوبية عن قطاع الصيد التقليدي بالداخلة والداعم الرسمي لسربة بوشان “الوحدة”، بكرم الضيافة وحسن الاستقبال الذي حظيت به السربة خلال مشاركتها في فعاليات الموسم، مشيداً بما وصفه بالعناية الكبيرة التي أحاطت بها من طرف عامل اقليم الجديدة والسيد باشا المدينة ورئيس الجماعة ومدير المهرجان.

وأكد الطالبي أن حضور سربة بوشان “الوحدة” في هذا الموعد التراثي لم يكن مجرد مشاركة عابرة، وإنما يأتي في إطار الحرص على دعم الفروسية التقليدية وتشجيع استمرار هذا الموروث الشعبي الذي يشكل جزءاً من الذاكرة الثقافية المغربية.

ويأتي دعم الطالبي للسربة في سياق الاهتمام الذي يوليه للفرسان وللفروسية التقليدية، حيث شكل الداعم الرسمي لسربة بوشان “الوحدة”، وواكب مشاركتها في موسم مولاي عبد السلام الغواص، بما يعكس أهمية المبادرات الفردية في مساندة التظاهرات التراثية والفرق المشاركة فيها.

كما خص الطالبي بالذكر عبد العزيز عرشي، ابن مدينة الوليدية والفاعل في قطاع الصيد التقليدي بالداخلة، منوهاً بما قدمه من كرم الضيافة بصفة خاصة، وبالمبادرة إلى احتضان سربة بوشان “الوحدة” وتوفير ظروف الاستقبال الملائمة لها خلال مشاركتها في فعاليات الموسم.

ولم يقتصر التنويه على الجانب الاحتفالي، بل شمل أيضاً الجوانب المرتبطة بحسن الاستقبال والمواكبة، وهي عناصر يعتبرها المشاركون أساسية في إنجاح مثل هذه التظاهرات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستقبال فرسان وخيول قادمين من مناطق بعيدة والمشاركة في موعد يجمع عشرات السربات.

ويعكس هذا التعاون بين الداعم والسربة والجهات المستقبلة صورة أخرى من صور ارتباط الفروسية التقليدية بالمجتمع، حيث لا تقوم التبوريدة على الفرسان والخيول فقط، وإنما تحتاج كذلك إلى محيط داعم يحتضن المشاركين ويوفر لهم ظروفاً مناسبة للحضور والاستعراض.

ومن جهته، نوه عبد العزيز عرشي، عضو جماعة الوليدية، بمد يد المساعدة والمواكبة من طرف عامل الإقليم والسلطات، إلى جانب الوقاية المدنية والمصالح الأمنية، معتبراً أن هذه الجهود ساهمت في توفير الظروف المناسبة لإنجاح التظاهرة وضمان مرورها في أجواء تنظيمية ملائمة.

وأبرز عرشي أهمية تضافر جهود مختلف المتدخلين، خصوصاً أن حجم المشاركة وعدد الفرسان والخيول والجمهور يفرض مستوى عالياً من التنسيق، سواء على مستوى تنظيم فضاءات العرض أو استقبال السربات أو ضمان السلامة والانسيابية داخل محيط التظاهرة.

وبالتوازي مع عروض التبوريدة، تعرف الوليدية حركية تجارية وثقافية من خلال تنظيم عدد من المعارض والفضاءات التي تتيح للتجار والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغرى فرصة عرض منتجاتهم والتواصل مع الزوار.

وتشكل هذه الحركية متنفساً مهماً للفاعلين الاقتصاديين المحليين، خاصة مع ارتفاع عدد الوافدين على المدينة خلال فترة الموسم، حيث تستفيد قطاعات متعددة من هذه الدينامية، من المطاعم والمقاهي إلى التجارة والخدمات والنقل والإيواء.

كما تمنح مثل هذه المناسبات فرصة للحرفيين وأصحاب المشاريع الصغرى للتعريف بمنتجاتهم، وفتح قنوات جديدة للتواصل مع الزوار، وهو ما يجعل الموسم فضاءً لا يقتصر على الترفيه، وإنما يساهم أيضاً في خلق فرص اقتصادية مؤقتة وتحريك عدد من الأنشطة المرتبطة بالسياحة.

لكن هذا الانتعاش يظل في جزء كبير منه مرتبطاً بالمناسبات والمواسم، وهو ما يطرح تحدياً أكبر يتمثل في كيفية تحويل هذه الحركية المؤقتة إلى دينامية اقتصادية مستمرة، تستفيد منها المدينة وساكنتها على مدار السنة.

فالوليدية تتوفر على عناصر متعددة يمكن أن تشكل قاعدة لمنتوج سياحي متكامل، من البحيرة والشاطئ إلى التبوريدة والمواسم والتراث الثقافي، مروراً بالحرف والمنتجات المحلية والأنشطة المرتبطة بالصيد والبحر.

ومن شأن تثمين هذه العناصر ضمن تصور موحد أن يمنح المدينة فرصة للانتقال من وجهة شاطئية موسمية إلى وجهة سياحية وثقافية تستقطب الزوار في فترات مختلفة من السنة.

كما أن نجاح مثل هذه التظاهرات يفرض في الوقت نفسه الحفاظ على المؤهلات الطبيعية للمدينة، خصوصاً البحيرة والمجال الساحلي، بما يضمن تحقيق التوازن بين الإقبال السياحي وحماية البيئة، لأن استدامة السياحة تبقى مرتبطة أساساً باستدامة الموارد التي تقوم عليها جاذبية المكان.

ومع إسدال الستار على موسم مولاي عبد السلام الغواص، ستنتهي أربعة أيام من الفرجة والحركة، لكن الرهان الحقيقي سيبقى مرتبطاً بما يمكن أن تتركه هذه التظاهرة من أثر على مستقبل المدينة.

فالمطلوب ليس فقط تنظيم موسم ناجح واستقطاب مئات الفرسان وآلاف المتابعين، وإنما تحويل هذا الزخم إلى فرصة لبناء منتوج ثقافي وسياحي متكامل، ودعم الفاعلين الاقتصاديين المحليين، وتشجيع المبادرات المرتبطة بالتراث والسياحة، وجعل الوليدية أكثر حضوراً على خريطة الوجهات السياحية والثقافية بالمغرب.

وهكذا، فإن 53 سربة وأكثر من 750 فارساً، من بينها سربة بوشان “الوحدة”، لا تمثل مجرد أرقام في تظاهرة احتفالية، بل تعكس قدرة المدينة على احتضان مواعيد ذات إشعاع واسع، وتكشف في الوقت نفسه عن رصيد ثقافي وطبيعي يمكن أن يتحول، إذا أحسن استثماره، إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية.

وتحمل مشاركة سربة بوشان “الوحدة” بعداً إضافياً، بالنظر إلى ما رافقها من دعم ومواكبة وحسن استقبال، وهو ما يبرز أن نجاح الفروسية التقليدية لا يرتبط فقط بما يحدث داخل حلبة التبوريدة، وإنما يبدأ أيضاً من خارجها، عبر توفير الدعم والاحتضان والظروف الملائمة للفرسان.

وبين صهيل الخيول ودوي البارود من جهة، وزرقة البحر وهدوء البحيرة من جهة أخرى، تقدم الوليدية نفسها أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف صورتها: مدينة لا يعيش فيها التراث إلى جانب السياحة فقط، بل يمكن أن يصبح جزءاً من اقتصادها ومستقبلها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد