مقال رأي – محمد فاضل حمنة
قرأتُ المقال المنشور بموقعكم «صوت الصحراء» تحت عنوان «زكاة كل خمس سنوات».. حين تصبح الصدقة وصلة الرحم وعيادة المريض جزءاً من الموسم الانتخابي، بتمعّن واهتمام، فوجدته مقالاً يصبّ في الصميم، ويلامس حقيقة يعرفها الكثيرون، لكنه من المواضيع التي لا تقترب منها عادةً أقلام وإعلام المدح والتمجيد.
المقال لا يتوقف عند مظاهر الحملة الانتخابية التقليدية، بل يضع الإصبع على ظاهرة أكثر حساسية، حين تتحول بعض الأعمال الصالحة والعلاقات الاجتماعية إلى طقوس موسمية مرتبطة بقرب الانتخابات: الصدقة، وصلة الرحم، وعيادة المرضى، والولائم، وحتى الحضور في المساجد.
والأهم أن المقال يحمل بين طياته رسائل واضحة ومباشرة إلى الناخب، مفادها أن عليه أن يميّز بين من يفعل الخير لأنه يؤمن به ويعتبره واجباً إنسانياً وأخلاقياً ودينياً، ومن يفعله لأنه يبحث عن الأصوات والصور والظهور، أو يسعى إلى استثمار المشاعر والعلاقات الاجتماعية في معركة انتخابية عابرة.
أما ما أُثير حول الزكاة، وما يُتداول عن تأجيل مبالغ ضخمة منها إلى ما بعد الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 شتنبر، فهو أمر ــ إن صحت هذه المعطيات ــ يستحق التوقف والنقاش، لأن الزكاة عبادة لها أحكامها ومواعيدها، ولا ينبغي أن تتحول إلى ورقة ضمن الحسابات السياسية أو الانتخابية.
إن خطورة الظاهرة لا تكمن فقط في استغلال العمل الخيري انتخابياً، وإنما في احتمال أن يفقد الخير معناه حين يصبح مرتبطاً بموسم محدد، وبحسابات الأصوات والمقاعد والنتائج. فالفقير لا يحتاج إلى من يتذكره فقط عندما تقترب صناديق الاقتراع، والمريض لا ينتظر الانتخابات حتى يجد من يسأل عنه، وصلة الرحم ليست حملة انتخابية تنتهي بانتهاء التصويت.
«صوت الصحراء» يرى أن قيمة المقال تكمن في جرأته على طرح سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: هل نحتاج فعلاً إلى انتخابات كل خمس سنوات حتى نتذكر الفقير والمريض والقريب، ونكتشف فجأة فضيلة صلة الرحم والصدقة وفعل الخير؟
فالانتخابات لها موسم، أما الأخلاق والدين والإنسانية، فموسمها كل يوم.
ولهذا فإن الرسالة الأهم التي يحملها المقال إلى الناخب هي: لا تحكم على المرشح بما يفعله في أسابيع الانتخابات، بل بما فعله طوال السنوات التي سبقتها.
فالخير الحقيقي لا يحتاج إلى كاميرا، والصدقة لا تحتاج إلى صورة، وصلة الرحم لا تحتاج إلى موعد انتخابي، ومساعدة المحتاج لا ينبغي أن تكون طريقاً إلى صندوق الاقتراع.
وفي النهاية، قد تكون أفضل طريقة لاكتشاف حقيقة المرشح هي أن نسأله ببساطة: أين كنت طوال السنوات الخمس الماضية؟
فالأخلاق التي تظهر فقط عند اقتراب الانتخابات، قد تكون حملة انتخابية أكثر منها سلوكاً دائماً
تعليقات الزوار