ماذا ننتظر من أحزاب يتحول فيها المال إلى وسيلة للنفوذ السياسي؟

بقلم :محمد الحبيب هويدي

في كل موسم انتخابي يتجدد السؤال نفسه: ماذا ننتظر من أحزاب تجعل المال معياراً للصعود، وتفتح أبواب التزكيات أمام أصحاب النفوذ والثروة، بينما يتراجع حضور الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة المواطنين؟

السؤال ليس موجهاً إلى حزب بعينه، ولا إلى مرشح بعينه، وإنما هو سؤال مشروع حول مستقبل الممارسة السياسية، وحول الطريقة التي يتم بها اختيار من سيمثل المواطن داخل المؤسسات المنتخبة.

فالانتخابات يفترض أن تكون مناسبة لتنافس البرامج والأفكار والكفاءات، وأن يكون الناخب هو صاحب القرار الحقيقي. لكن عندما يتحول المال إلى عنصر أساسي في المعركة الانتخابية، فإن الخطر لا يكمن فقط في يوم الاقتراع، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: من مرحلة اختيار المرشحين، مروراً بالحملات الإعلامية، وصولاً إلى صناعة صورة انتخابية تجعل بعض الأسماء تبدو وكأنها الخيار الوحيد أمام المواطنين.

لا يمكن أن تكون الثروة معياراً للكفاءة السياسية. فامتلاك رجل الأعمال أو الميسور للمال لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة على تدبير الشأن العام، أو الدفاع عن مصالح المواطنين، أو فهم مشاكل الشباب والطبقات المتوسطة والفقيرة.

السياسة مسؤولية قبل أن تكون نفوذاً، والمنتخب لا يُفترض أن يدخل المؤسسات من أجل استثمار موقعه، وإنما من أجل خدمة الصالح العام.

المشكلة تبدأ عندما تصبح الأحزاب أكثر اهتماماً بالمرشح القادر على تمويل حملته أو جلب الموارد والأنصار، من اهتمامها بالمرشح القادر على تقديم برنامج واقعي والدفاع عنه.

وهنا يصبح المواطن أمام معادلة خطيرة: من يملك المال يستطيع أن يشتري مساحة أكبر من الحضور، ومن لا يملك المال قد يجد نفسه خارج المنافسة مهما كانت كفاءته.

وفي هذا السياق، تبرز واقعة رجل الأعمال ابن مدينة الداخلة حمودي حميد، الذي اختار، حسب ما جاء في كلمة له خلال لقاء نظمه حزب العدالة والتنمية، عدم خوض غمار الترشح، بعدما عبّر عن قناعته بأن العمل الحزبي والانتخابي أصبح، في نظره، أقرب إلى الاستثمار منه إلى ممارسة سياسية هدفها خدمة المواطنين.

وذهب حمودي حميد، خلال كلمته، إلى انتقاد ما اعتبره تحوّلاً في قواعد اللعبة السياسية، متحدثاً عن أشخاص يدخلون الانتخابات وهم مستعدون لبيع الإبل والعقار من أجل توفير الإمكانيات اللازمة لخوض غمار الانتخابات.

وهو تصريح أثار، بحسب ما رافقه من نقاش، ردود فعل وغضباً لدى عدد من المتابعين، لأنه وضع المال والثروة في قلب النقاش حول الانتخابات، وطرح سؤالاً صريحاً حول ما إذا كانت السياسة قد تحولت لدى البعض من مشروع لخدمة الشأن العام إلى استثمار يبحث صاحبه عن كلفة الدخول والعائد المنتظر منه.

وبعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف مع مضمون هذا التصريح، فإن أهميته تكمن في أنه يعكس نقاشاً أوسع حول العلاقة بين المال والسياسة، وحول قدرة الأحزاب على حماية العمل السياسي من أن يتحول إلى مجال مفتوح أمام أصحاب الإمكانيات المالية فقط.

والحديث عن المال السياسي لا ينبغي أن يقتصر على توزيع الأموال مباشرة على الناخبين. هناك شكل آخر أكثر نعومة وخطورة: صناعة النفوذ وشراء الصورة السياسية.

ففي الفترة الانتخابية، يلاحظ المتابع أحياناً سيلاً من الصور والأخبار التي تقدم بعض المرشحين باعتبارهم شخصيات استثنائية، وتبالغ في إبراز حضورهم وتحركاتهم ولقاءاتهم، بينما يغيب السؤال الأساسي: ماذا سيقدم هذا المرشح للمواطن؟ ما برنامجه؟ ما حصيلته؟ وما الذي يميزه عن غيره؟

إن نشر صورة مرشح ليس جريمة في حد ذاته، كما أن تغطية أنشطته الإعلامية حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول بعض المنابر إلى أدوات للدعاية غير المتوازنة، فيصبح المال قادراً على صناعة الحضور الإعلامي، وتحويل المرشح من شخص يخوض الانتخابات إلى شخصية يتم تمجيدها باستمرار.

وهنا يصبح الإعلام أمام امتحان حقيقي: هل هو وسيلة لإخبار المواطن، أم يتحول إلى جزء من ماكينة انتخابية؟

المواطن اليوم لا يحتاج إلى عشرات الصور للمرشح، ولا إلى عبارات المديح، ولا إلى أخبار من نوع “المرشح الفلاني يحظى بشعبية واسعة”، دون تقديم أدلة أو معطيات.

المواطن يحتاج إلى معلومات. يريد أن يعرف: ما البرنامج؟ ما الوعود؟ ما الحصيلة؟ ما موقف المرشح من قضايا المنطقة؟ ماذا قدم سابقاً؟ ماذا يستطيع أن يقدم مستقبلاً؟ ومن أين سيمول حملته؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في مقدمة التغطية الانتخابية.

أما تحويل صفحات المواقع إلى ألبومات صور للمرشحين، مع عبارات التمجيد والإشادة، فإنه قد يخلق انطباعاً بأن الانتخابات أصبحت مسابقة في الظهور الإعلامي وليس منافسة سياسية بين برامج ومشاريع.

والأخطر أن المواطن البسيط قد يخلط بين الإشهار السياسي والخبر الصحفي.

لا أحد يعترض على حق أي مواطن، مهما كان وضعه الاجتماعي أو الاقتصادي، في المشاركة السياسية وفق القانون. لكن الديمقراطية تصبح مهددة عندما يشعر المواطن بأن الطريق إلى المؤسسات المنتخبة يمر أساساً عبر الثروة والعلاقات والنفوذ.

فإذا أصبحت التزكية مرتبطة بمن يستطيع الإنفاق أكثر، فإن الأحزاب تخسر شيئاً مهماً جداً: تنوعها الاجتماعي والسياسي.

وحينها قد يجد الشاب المتعلم، والموظف، والأستاذ، والمهني، والفاعل الجمعوي، وصاحب المشروع الصغير، نفسه عاجزاً عن المنافسة أمام مرشح يمتلك إمكانيات مالية ضخمة.

وهذا يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق:

هل نريد مؤسسات تمثل المجتمع، أم مؤسسات تمثل أصحاب القدرة المالية؟

أخطر ما يمكن أن ينتج عن المال الانتخابي ليس فقط نجاح مرشح هنا أو هناك، وإنما فقدان المواطن للثقة في العملية السياسية برمتها.

عندما يعتقد المواطن أن صوته يمكن أن يشترى، أو أن الانتخابات محسومة لمن يملك المال والنفوذ، فإنه قد يصل إلى نتيجة خطيرة: لماذا أصوت أصلاً؟

ومن هنا تبدأ أزمة المشاركة السياسية.

فالانتخابات لا تنجح فقط عندما تفتح مكاتب التصويت، وإنما تنجح عندما يثق المواطن بأن صوته له قيمة، وأن المرشح الذي يفوز لم يفز لأنه يملك جيوباً أعمق، بل لأنه أقنع الناس ببرنامجه وكفاءته.

القانون وحده لا يكفي. نحن بحاجة أيضاً إلى ثقافة سياسية جديدة داخل الأحزاب ووسائل الإعلام والمجتمع؛ ثقافة تقول إن المرشح لا يُقاس بعدد السيارات التي ترافقه، ولا بعدد الصور التي تنشر له، ولا بحجم الولائم واللقاءات، ولا بحجم ثروته.

بل يقاس ببرنامجه، ونزاهته، وكفاءته، وحصيلته، وقدرته على الدفاع عن مصالح المواطنين.

والأحزاب مطالبة اليوم بأن تجيب بوضوح عن سؤال جوهري: كيف تختار مرشحيها؟

هل الاختيار يقوم على الكفاءة والنزاهة والحضور المجتمعي؟ أم على القدرة المالية والامتداد العائلي والقدرة على الإنفاق؟

إذا كانت الأحزاب تريد استعادة ثقة المواطن، فعليها أن تجعل التزكية السياسية مسؤولية أخلاقية، لا صفقة انتخابية.

كما أن الإعلام شريك أساسي في حماية نزاهة النقاش الانتخابي. ليس المطلوب من المواقع أن تمنع أخبار المرشحين أو صورهم، وإنما المطلوب هو التوازن والموضوعية والتمييز الواضح بين الخبر والإشهار والدعاية.

فالصحافة ليست مكتباً للعلاقات العامة لأي مرشح، والصورة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لرفع شخص فوق النقد أو صناعة شعبية وهمية حوله.

وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن هو خط الدفاع الأول عن الديمقراطية.

صوت المواطن ليس سلعة، ولا ينبغي أن تتحول الحاجة الاقتصادية إلى وسيلة لاستغلال الفقراء انتخابياً.

إن المواطن الذي يبيع صوته قد يحصل على منفعة مؤقتة، لكنه قد يدفع الثمن سنوات طويلة من سوء التدبير وضعف الخدمات وغياب المحاسبة.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد من يحاول شراء الأصوات، وإنما أيضاً ضد الثقافة التي تجعل المال معياراً للنجاح السياسي.

ماذا ننتظر من أحزاب تسمح بأن يصبح المال والنفوذ معياراً للتنافس؟

وماذا ننتظر من انتخابات يصبح فيها المرشح الأكثر ظهوراً إعلامياً هو بالضرورة المرشح الأكثر قدرة على الإنفاق؟

وماذا ننتظر من إعلام يكثر من الصور والمديح، بينما تقل فيه الأسئلة الصعبة حول البرامج والحصيلة والتمويل؟

إن الديمقراطية لا تحتاج إلى مرشحين أثرياء بقدر ما تحتاج إلى مرشحين أمناء وأكفاء.

ولا تحتاج إلى مواقع ترفع الأشخاص فوق النقد، وإنما إلى إعلام يضع الجميع أمام المساءلة.

فالانتخابات ليست مهرجاناً للصور، وليست مزاداً للأصوات، وليست مناسبة لشراء الولاءات.

الانتخابات عقد بين المواطن ومن يطلب صوته، وأهم ما يجب أن يبقى في هذا العقد هو الثقة، والبرنامج، والنزاهة، والمحاسبة.

أما إذا أصبح المال هو الطريق الأقصر إلى السياسة، فإن الخاسر في النهاية لن يكون مرشحاً أو حزباً بعينه، وإنما ستكون الثقة في المؤسسات والديمقراطية نفسها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد