من لغة الحملات إلى منطق المؤسسات.. المنصوري تواصل مشاورات تشكيل الحكومة والاستقلال يحدد شروط المرحلة

صوت الصحراء
تتجه المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة نحو مرحلة أكثر وضوحاً، بعدما عقدت رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، لقاءً مع قيادة حزب الاستقلال، في إطار الجولة التي أطلقتها بهدف الاستماع إلى مواقف الأحزاب السياسية وبحث ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة.
وجرى اللقاء بحضور الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، مرفوقاً بمحمد ولد الرشيد، وعبد الصمد قيوح، وعبد الجبار الرشيدي، حيث انصب النقاش على طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، والانتظارات المطروحة على الحكومة الجديدة، فضلاً عن التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تواجه البلاد.
وبعد انتهاء الاجتماع، قال نزار بركة إن اللقاء شكل مناسبة لتقديم التهنئة للمنصوري بمناسبة تعيينها رئيسة للحكومة، معتبراً أن وصول امرأة إلى هذا المنصب يمثل محطة ذات أهمية في المسار السياسي المغربي.
لكن تصريحات الأمين العام لحزب الاستقلال لم تتوقف عند الجانب البروتوكولي، إذ وضع عدداً من العناوين التي يرى الحزب أنها ستكون حاضرة في المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها استعادة الثقة في المؤسسات والعمل السياسي، والوفاء بالالتزامات، وترسيخ المصداقية في ممارسة المسؤولية السياسية.
ويرتبط هذا الطرح، وفق ما جاء في تصريحات بركة، بضرورة الانتقال من مرحلة الوعود الانتخابية إلى مرحلة تنفيذ الالتزامات، خصوصاً في ظل ارتفاع انتظارات المواطنين بشأن ملفات اجتماعية واقتصادية مباشرة، وعلى رأسها التشغيل وتحسين القدرة الشرائية وتعزيز حضور الطبقة الوسطى.
كما حضرت قضايا الشباب والنساء ضمن أولويات النقاش، باعتبارهما من الفئات التي تنتظر سياسات عمومية أكثر ارتباطاً بالفرص الاقتصادية والاجتماعية، في وقت سيكون فيه أداء الحكومة الجديدة محط متابعة سياسية ومجتمعية واسعة.
وفي ما يتعلق بمشاركة حزب الاستقلال في الحكومة المقبلة، أبقى بركة الباب مفتوحاً أمام مختلف الاحتمالات، موضحاً أن القرار النهائي سيعود إلى المجلس الوطني للحزب، مع التأكيد على أن الاستقلال سيواصل دعم التجربة السياسية الجديدة “كيفما كان موقعه”.
وتحمل هذه العبارة دلالة سياسية مهمة، باعتبار أن المشاورات لا تنحصر فقط في تحديد أسماء ومكونات الحكومة، وإنما تمتد إلى البحث عن أرضية سياسية قادرة على ضمان الانسجام داخل الأغلبية، وتوفير شروط العمل المؤسساتي خلال الولاية المقبلة.
وفي المقابل، شدد بركة على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعبئة وطنية واسعة وتقوية الجبهة الداخلية، خصوصاً أمام الملفات المرتبطة بالتشغيل، وتوسيع الطبقة الوسطى، والاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
أما قضية الوحدة الترابية، فظلت حاضرة ضمن محددات حزب الاستقلال، حيث أكد أمينه العام استمرار الحزب في اعتبارها من الملفات ذات الأولوية، مع التشبث بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وتأتي هذه المشاورات بعد اللقاء الذي جمع المنصوري بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، لتتواصل بذلك سلسلة الاتصالات مع مختلف الأحزاب السياسية، في أفق الانتقال من مرحلة جس النبض وتبادل المواقف إلى مرحلة بناء تصور أكثر وضوحاً بشأن الأغلبية وتركيبة الحكومة وأولوياتها.
من الخصومة الانتخابية إلى التعاون الحكومي
وبعيداً عن تفاصيل المفاوضات الحزبية، تفرض نتائج الاستحقاق الانتخابي واقعاً سياسياً جديداً على مختلف الفاعلين. فالحملة الانتخابية انتهت، والخطاب الانتخابي الذي شهد سجالات وتبادلاً للاتهامات أصبح جزءاً من الماضي، فيما تبرز اليوم الحاجة إلى لغة أخرى عنوانها المؤسسات والتعاون وتحمل المسؤولية.
واللافت أن عدداً من الذين كانوا، خلال الحملة الانتخابية، يتبادلون الانتقادات والاتهامات، يجدون أنفسهم اليوم أمام استحقاق سياسي جديد يفرض عليهم الجلوس إلى الطاولة نفسها، والبحث عن نقاط الالتقاء بدل الاستمرار في منطق المواجهة.
وهذه المفارقة ليست جديدة في الحياة السياسية، لكنها تكتسب أهمية خاصة في المرحلة الراهنة، لأن انتهاء الانتخابات يعني، من الناحية السياسية والمؤسساتية، بداية العمل وليس نهايته.
وفي هذا السياق، سبق لـصوت الصحراء أن أشار إلى أن الرهان الحقيقي بعد الانتخابات لا ينبغي أن يكون استمرار الخصومة بين الفاعلين، وإنما تحويل التنافس الانتخابي إلى تعاون يخدم المواطنين والجهات، ويجعل من نتائج الاقتراع منطلقاً للعمل المؤسساتي.
وبالنسبة للجهات والأقاليم، فإن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة المنتخبين والأحزاب على تجاوز الحسابات الانتخابية، والاشتغال بشكل جماعي على الملفات التي ترتبط بالحياة اليومية للساكنة، من التشغيل والاستثمار إلى الصحة والتعليم والبنيات التحتية والخدمات الأساسية.
ومع استمرار المشاورات، يبقى السؤال المطروح هو طبيعة التوازنات التي ستفرزها المفاوضات المقبلة، ومدى قدرة الحكومة الجديدة على ترجمة الشعارات السياسية إلى برامج قابلة للتنفيذ، خصوصاً أن استعادة الثقة التي تحدث عنها حزب الاستقلال ستظل مرتبطة، في نهاية المطاف، بما ستقدمه الحكومة على أرض الواقع.
وهكذا، فإن تشكيل الحكومة المقبلة لا يبدو مجرد عملية لتوزيع الحقائب والمواقع، بل محطة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بعد الانتخابات، وإعادة تحديد طبيعة العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، وبين الأحزاب والمجتمع، في مرحلة سيكون فيها معيار النجاح مرتبطاً بالإنجاز والوفاء بالالتزامات أكثر من الخطاب السياسي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد