وأد السياسة في المغرب.. حين تصبح الأحزاب دكاكين انتخابية

بقلم :محمد سالم الشافعي

يبدو أن السياسة في المغرب بدأت تدخل مرحلة جديدة من عمرها؛ مرحلة لم يعد فيها السؤال: ماذا سيقدم هذا الحزب للمواطن؟ بل أصبح السؤال الأكثر تداولاً: كم مقعداً يستطيع أن يحجز؟

أما البرامج، والأفكار، والتصورات الكبرى، فتبدو أحياناً كضيوف موسميين لا يظهرون إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع.

في زمن مضى، كان الحزب السياسي يُفترض أن يكون مدرسة لتكوين المناضلين وصناعة النخب وتأطير المواطنين وإنتاج الأفكار. أما اليوم، فقد يبدو المشهد، في بعض الحالات، أقرب إلى سوق انتخابية مفتوحة: أسماء تتنقل، تحالفات تتبدل، وجوه تظهر قبيل الانتخابات، وشبكات تتحرك، فيما يبقى المواطن مطالباً بالتصفيق والاختيار.

وليس المقصود هنا وضع جميع الأحزاب في سلة واحدة، ولا إنكار وجود كفاءات ومناضلين داخل مختلف التنظيمات السياسية. لكن تجاهل التحولات التي يعرفها العمل الحزبي لن يجعلها تختفي.

من مناضل يحمل فكرة إلى مرشح يحمل أصواتاً

المشكلة تبدأ عندما يصبح معيار النجاح السياسي هو عدد الأصوات التي يستطيع شخص ما جلبها، لا عدد الأفكار التي يستطيع الدفاع عنها.

عندها يصبح السؤال عن المشروع السياسي أقل أهمية من السؤال عن حجم الشبكة الانتخابية.

ومن يملك الحضور الاجتماعي أو الإمكانات المالية أو القدرة على الحشد، يصبح أكثر جاذبية لبعض التنظيمات من شخص قد يملك مشروعاً سياسياً متكاملاً لكنه لا يملك ماكينة انتخابية.

وهنا يتحول الحزب، شيئاً فشيئاً، من مؤسسة لإنتاج السياسة إلى آلة انتخابية.

وبدل أن يكون المرشح نتاجاً لمسار سياسي وفكري وتنظيمي، قد يصبح في بعض الحالات مجرد “منتوج انتخابي” يجري البحث عنه قبل موعد الاستحقاق، ثم تقديمه للناخب باعتباره الحل السحري لمشاكله.

والغريب أن بعض الناخبين أنفسهم أصبحوا يتعاملون مع الانتخابات بمنطق السوق: ماذا سأحصل عليه؟ ماذا سيقدم لي هذا المرشح؟ ومن يستطيع أن يكون أكثر سخاء؟

وهكذا تتداخل السياسة بالانتظار، والانتخاب بالمصلحة، والبرنامج بالوعد.

المال يدخل من الباب والسياسة تخرج من النافذة

لا أحد يقول إن رجل الأعمال أو صاحب المال ممنوع من ممارسة السياسة. فهذا تبسيط غير مقبول.

لكن السؤال الحقيقي هو: متى تتحول الإمكانات المالية من وسيلة شخصية مشروعة إلى أداة لصناعة النفوذ السياسي؟

هنا يصبح الخطر أكبر.

فالسياسة التي تحتاج إلى المال كي تنتصر، قد تجد نفسها عاجزة عن الانتصار من دون المال.

والحزب الذي يقيس قوة مرشحه بقدرته على الحشد والإنفاق، قد ينتهي به الأمر إلى اكتشاف أن السياسة نفسها أصبحت رهينة لمن يملك القدرة على تمويلها.

وحين يصبح المال أقوى من الفكرة، لا يعود المواطن أمام منافسة بين برامج، بل أمام منافسة بين إمكانات.

وفي النهاية، قد يجد الناخب نفسه أمام ورقة اقتراع مليئة بالأسماء، لكنه يبحث عبثاً عن الفارق الحقيقي بين المشاريع.

صورة جماعية لا تصنع مشروعاً سياسياً

ومن مظاهر المشهد الانتخابي الجديد ذلك الهوس بالصور.

صور التحاق، صور تجمع، صور مع قيادات، صور أمام لافتات، صور داخل قاعات، وصور تُقدم باعتبارها دليلاً على الشعبية.

وكأن السياسة أصبحت مسابقة في التصوير الجماعي.

لكن الصورة، مهما كان عدد الواقفين فيها، لا تقدم برنامجاً سياسياً.

والقاعة الممتلئة لا تعني بالضرورة أن الناس اقتنعوا بالمشروع.

والتصفيق لا يعادل التصويت.

أما كثرة الوجوه في صورة واحدة، فلا تكفي وحدها لإثبات أن وراءها كتلة انتخابية حقيقية.

فالانتخابات في النهاية ليست مسابقة في عدد الصور المنشورة، وإنما امتحان في قدرة المرشح والحزب على إقناع المواطن.

المواطن ليس مجرد رقم انتخابي

المواطن المغربي لم يعد بحاجة إلى خطب طويلة بقدر حاجته إلى أجوبة واضحة.

يريد أن يعرف ماذا سيحدث للتعليم؟ ماذا عن الصحة؟ ماذا عن التشغيل؟ ماذا عن القدرة الشرائية؟ ماذا عن تدبير المال العام؟ ماذا عن المدن والقرى والمناطق التي لا تظهر إلا في موسم الانتخابات؟

ويريد أيضاً أن يعرف ماذا فعل المنتخبون الذين سبق أن منحهم صوته.

وهنا تغيب إحدى أهم حلقات الديمقراطية: المحاسبة السياسية.

فليس المطلوب من المواطن أن يتذكر المرشح يوم الاقتراع فقط، بل أن يتذكره طوال الولاية الانتخابية.

القضاء لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة انتخابية

عندما تظهر ملفات قضائية تهم منتخبين أو شخصيات سياسية، فإن التعامل معها يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية.

الاتهام ليس إدانة، والشبهة ليست حكماً، والقضاء وحده صاحب الاختصاص في تحديد المسؤوليات.

لكن الأحزاب مطالبة، في المقابل، بأن تكون لها معاييرها الأخلاقية والسياسية في اختيار المرشحين وفي التعامل مع الملفات التي تمس صورة العمل العام.

فالمسألة لا تتعلق فقط بما إذا كان الشخص سيُدان قضائياً أم لا، وإنما أيضاً بالسؤال السياسي الأوسع: هل تملك الأحزاب شجاعة ممارسة النقد الذاتي؟

وهل تستطيع أن تقول لمناضل أو منتخب أخطأ: انتهت مسؤوليتك السياسية، حتى قبل أن تنتهي المسطرة القضائية، عندما تكون المعطيات السياسية والأخلاقية تستوجب ذلك؟

حين يصبح الحزب محطة عبور

الأحزاب التي كانت في الماضي تعني الانتماء والمرجعية والالتزام، أصبحت تواجه اليوم ظاهرة أخرى: سياسة الترحال.

من حزب إلى حزب، ومن لون إلى لون، ومن خطاب إلى آخر، أحياناً وفق ما تقتضيه الحسابات الانتخابية.

وهنا لا يعود المواطن يعرف أين تنتهي القناعة وأين تبدأ المصلحة.

قد يتغير الموقف السياسي، وهذا أمر طبيعي في الحياة الديمقراطية، لكن عندما يصبح تغيير الانتماء الحزبي مرتبطاً فقط بالحسابات الانتخابية، فإن الحزب يفقد جزءاً من معناه، والسياسة تفقد جزءاً من هيبتها.

من يدفن السياسة؟

السياسة لا تُقتل بقرار واحد.

إنها تموت ببطء.

تموت عندما يصبح الحزب مجرد لائحة انتخابية.

تموت عندما تصبح الانتخابات مناسبة موسمية لتوزيع الوعود.

تموت عندما تتحول الكفاءة إلى تهمة، والمال إلى مؤهل، والصورة إلى دليل شعبية، والحشد إلى دليل على القبول.

وتموت أيضاً عندما يفقد المواطن ثقته في أن صوته قادر فعلاً على تغيير شيء.

لذلك، فإن الخطر الحقيقي ليس في أن يفوز حزب أو يخسر آخر.

الخطر أن تتحول المنافسة السياسية نفسها إلى مجرد تدبير للمقاعد، وأن يصبح المواطن مجرد رقم يظهر في جداول النتائج ثم يختفي حتى موعد الاستحقاق التالي.

إعادة السياسة إلى السياسة

المغرب لا يحتاج إلى أحزاب أكثر عدداً بقدر ما يحتاج إلى أحزاب أكثر سياسة.

أحزاب تنتج الأفكار قبل المرشحين، وتصنع البرامج قبل الشعارات، وتكوّن النخب قبل البحث عن المقاعد.

أحزاب تجعل المال في مكانه الطبيعي، والكفاءة في مكانها المستحق، والمحاسبة جزءاً من ثقافتها الداخلية.

وأحزاباً لا تتذكر المواطن عندما تقترب صناديق الاقتراع، ثم تنساه عندما تغلق مكاتب التصويت أبوابها.

فالانتخابات ليست غاية الديمقراطية، وإنما إحدى أدواتها.

والمقعد ليس نهاية السياسة، بل بداية المسؤولية.

أما الحزب الذي لا يستطيع أن يقدم للمواطن أكثر من اسم وصورة ووعد، فقد ينجح في الحصول على مقعد، لكنه لن ينجح بالضرورة في استعادة ثقة المواطن.

وهنا يصبح عنوان المرحلة أكثر وضوحاً:

المشكلة ليست أن السياسة في المغرب فقدت جمهورها فقط، بل أنها مهددة بأن تفقد معناها.

وحين تصبح الأحزاب دكاكين انتخابية، لا يعود السؤال: من سيفوز؟

بل يصبح السؤال الأخطر:

هل ما زالت هناك سياسة تستحق أن يفوز بها أحد؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد