بين الإرث التاريخي والحسابات الجيوسياسية.. لماذا أعادت إسبانيا فتح ملف منح الجنسية للصحراويين؟ وهل يمتد النقاش إلى موريتانيا؟

صوت الصحراء :القسم السياسي
أعاد مشروع القانون الرامي إلى منح الجنسية الإسبانية لفئة من الصحراويين، الجدل حول طبيعة العلاقة التي تربط الدول التي سبق أن مارست الإدارة أو السيطرة على أجزاء من الصحراء بسكان الإقليم، وحول ما إذا كانت المسؤولية التاريخية يمكن أن تتحول إلى التزام قانوني يمنح حق الحصول على الجنسية بعد عقود من انتهاء تلك المرحلة.
وجاءت إعادة فتح هذا الملف بعد موافقة لجنة العدل بالبرلمان الإسباني على مقترح القانون، في انتظار استكمال باقي المساطر التشريعية، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والقانونية، ليس فقط في إسبانيا، وإنما أيضاً في المغرب ومنطقة المغرب العربي عموماً.
ويرى متخصصون في القانون الإسباني أن المبادرة تستند إلى اعتبارات تاريخية وقانونية مرتبطة بكون إسبانيا كانت تدير الصحراء إلى غاية سنة 1975، وأن عدداً من الأشخاص ولدوا أو كانت تربطهم بالإدارة الإسبانية روابط قانونية ووثائق رسمية، وهو ما تعتبره الجهات الداعمة للمشروع أساساً يبرر منحهم الجنسية عبر مسطرة استثنائية.
في المقابل، يرى محللون أن المبادرة لا يمكن فصلها عن الحسابات السياسية الداخلية بإسبانيا، خاصة في ظل التنافس الحزبي، فضلاً عن رغبة بعض القوى السياسية في تسوية ملفات تاريخية تعود إلى الحقبة الاستعمارية، دون أن يعني ذلك تغييراً في الموقف الرسمي لمدريد الداعم لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب.
لكن النقاش لا يتوقف عند الحالة الإسبانية فقط، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أخرى ذات طابع قانوني وتاريخي.
هل يمكن أن تتجه موريتانيا إلى منح جنسيتها للصحراويين؟
إذا كانت إسبانيا تبرر مشروعها بوجود مسؤولية تاريخية ناتجة عن إدارتها للإقليم، فإن بعض المتابعين يتساءلون عما إذا كانت موريتانيا قد تجد نفسها مستقبلاً أمام نقاش مشابه، بالنظر إلى أنها تولت إدارة الجزء الجنوبي من الصحراء، المعروف في الأدبيات الموريتانية باسم “تيرس الغربية”، خلال الفترة الممتدة من أواخر سنة 1975 إلى سنة 1979، قبل انسحابها بموجب اتفاقية السلام التي وقعتها مع جبهة البوليساريو.
غير أن هذا التساؤل يبقى في إطار التحليل السياسي والقانوني فقط، إذ لا توجد إلى حدود اليوم أي مبادرة رسمية أو مشروع قانون موريتاني يتحدث عن منح الجنسية لسكان الإقليم على أساس تلك المرحلة التاريخية، كما لم يصدر أي موقف من السلطات الموريتانية يوحي بوجود توجه في هذا الاتجاه.
ذاكرة تاريخية لا تزال حاضرة
ويرتبط هذا الطرح أيضاً بذاكرة جزء من سكان جهة الداخلة ووادي الذهب، الذين ما زالوا يستحضرون أحداث تلك المرحلة، وما رافقها من أوضاع أمنية صعبة. وتتناقل شهادات محلية روايات عن تجاوزات نسبت إلى مجموعات كانت تعرف محلياً باسم “السنادر”، والتي يتهمها بعض السكان بارتكاب أعمال عنف وترهيب خلال تلك الفترة.
غير أن هذه الروايات، رغم حضورها في الذاكرة المحلية، تبقى بحاجة إلى مزيد من التوثيق التاريخي والأكاديمي، إذ تختلف الروايات حول طبيعة تلك الأحداث وسياقاتها، وهو ما يفرض التعاطي معها بمنهجية علمية بعيدة عن الأحكام القطعية.
هل يفتح المشروع الإسباني الباب أمام مطالب مماثلة؟
ويذهب بعض الباحثين إلى أن نجاح المشروع الإسباني، إذا تمت المصادقة عليه نهائياً، قد يشجع على طرح أسئلة قانونية في مناطق أخرى شهدت تجارب استعمارية أو إدارات انتقالية، غير أن خصوصية كل حالة من الناحية القانونية والتاريخية تجعل من الصعب إسقاط التجربة الإسبانية على دول أخرى.
فالقانون الإسباني يستند إلى نصوص قانونية داخلية وإلى علاقة قانونية سابقة بين الدولة الإسبانية والأشخاص المعنيين، وهو ما قد لا يتوفر بالصيغة نفسها في حالات أخرى.
بين السياسة والقانون
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مشروع الجنسية الإسبانية يتجاوز مجرد منح وثيقة سفر، ليطرح أسئلة أعمق حول المسؤولية التاريخية للدول الاستعمارية، وحدود الالتزام القانوني تجاه السكان الذين خضعوا لإدارتها، ومدى إمكانية أن تتحول هذه السوابق إلى مرجع قانوني في المستقبل.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستظل المبادرة الإسبانية حالة استثنائية فرضتها خصوصية التاريخ والقانون الإسباني، أم أنها قد تشكل سابقة تفتح نقاشات مشابهة في فضاءات أخرى؟ وحتى الآن، لا توجد أي مؤشرات رسمية على أن موريتانيا أو أي دولة أخرى تدرس منح جنسيتها للصحراويين، وهو ما يجعل الأمر في حدود الفرضيات التحليلية، لا أكثر.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد