صوت الصحراء
حسناء أبو زيد، سياسية وبرلمانية مغربية وعضوة سابقة بالمكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تُعد من أبرز الوجوه النسائية التي برزت داخل المشهد السياسي خلال السنوات الماضية، بفضل حضورها البرلماني ومداخلاتها التي اتسمت في كثير من الأحيان بالوضوح والجرأة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالسياسة والوحدة الترابية للمملكة.
وُلدت أبو زيد يوم 14 فبراير 1976 بمدينة كلميم، وتنحدر من منطقة ذات امتداد صحراوي وثقافي مهم، وهو ما شكل أحد العناصر الحاضرة في مسارها واهتماماتها السياسية. تلقت تعليمها الثانوي بمدينة تزنيت، قبل أن تنتقل إلى تونس لمتابعة دراستها العليا، حيث تخرجت صيدلانية من كلية الصيدلة وطب الأسنان بالمنستير سنة 1999، قبل أن تواصل تكوينها الأكاديمي وتحصل سنة 2009 على ماستر في إدارة الأعمال، كما ارتبط اسمها في مراحل سابقة بمتابعة تكوين في مجال القانون والإدارة والمالية العامة.
سياسياً، التحقت حسناء أبو زيد بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 2005، وسرعان ما بدأت في بناء حضورها داخل التنظيم، حيث انخرطت في منظمة النساء الاتحاديات، وانتقلت تدريجياً إلى مواقع المسؤولية الحزبية. وفي سنة 2011، خاضت أول تجربة انتخابية تشريعية لها، وتمكنت من دخول مجلس النواب ضمن اللائحة الوطنية للنساء، عن الفريق الاشتراكي، خلال الولاية التشريعية 2011-2016.
ولم يتوقف صعودها السياسي عند التجربة البرلمانية، إذ انتقلت سنة 2013 إلى عضوية المكتب السياسي للحزب، بعد المؤتمر الوطني التاسع، لتصبح واحدة من الوجوه النسائية البارزة داخل حزب المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد، مستفيدة من حضورها في النقاشات السياسية والتنظيمية ومن قدرتها على التعبير والترافع في عدد من الملفات الوطنية.
داخل البرلمان، لم يكن حضور أبو زيد مقتصراً على المشاركة الشكلية، فقد ارتبط اسمها بعدد من الأسئلة والمداخلات ذات الصلة بالسياسات العمومية وتدبير الشأن العام، كما كانت عضواً في لجنة مراقبة المالية العامة بمجلس النواب.
غير أن الملف الذي منح حسناء أبو زيد حضوراً خاصاً في النقاش العمومي هو قضية الصحراء . فقد راكمت، منذ تجربتها البرلمانية، حضوراً لافتاً في الندوات واللقاءات التي تناولت القضية الوطنية، سواء من زاوية التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي، أو من زاوية تطور مفهوم تقرير المصير والحلول السياسية الممكنة للنزاع.
وفي هذا السياق، شاركت سنة 2016 في ندوة دولية نظمها الفريق الاشتراكي بمجلس النواب حول مقترح الحكم الذاتي كحل للنزاع المفتعل حول الصحراء ، إلى جانب باحثين وخبراء مغاربة وأجانب. وخلال مداخلتها، ناقشت تطور مفهوم تقرير المصير في القانون الدولي، مؤكدة أن هذا المبدأ لا يعني بالضرورة الاستقلال أو الانفصال، وأن الحكم الذاتي يمكن أن يشكل أحد أشكال ممارسة تقرير المصير في إطار السيادة.
كما أن حضورها في ملف الصحراء لم يكن مرتبطاً فقط بالدفاع عن الموقف المغربي، بل اتخذ في مراحل معينة طابعاً نقدياً تجاه طريقة تدبير الدولة للملف وآليات الترافع عنه. ففي تصريحات ومداخلات سابقة، دعت إلى تطوير الخطاب المغربي حول القضية الوطنية، والانتقال من التعبئة الداخلية إلى بناء أدوات أكثر فعالية في الترافع الخارجي، مستندة إلى القانون الدولي والمعطيات التاريخية والجغرافية.
وهذه النقطة تحديداً تجعل تجربة أبو زيد مختلفة عن كثير من الأصوات السياسية التي تتناول قضية الصحراء من زاوية خطابية فقط؛ فهي حاولت في عدد من مداخلاتها مقاربة الملف من خلال القانون الدولي، ومفهوم تقرير المصير، والتحولات التي عرفتها العلاقات الدولية، مع التشديد في الوقت نفسه على الوحدة الترابية للمغرب.
كما شاركت في لقاءات وترافع برلماني حول القضية الوطنية، من بينها مشاركات خارج المغرب للتعريف بالموقف المغربي وعدالة قضية الصحراء، وهو ما عزز صورتها كواحدة من الوجوه السياسية التي جمعت بين الانتماء إلى الأقاليم الجنوبية والحضور المؤسساتي والخبرة في النقاش السياسي والقانوني.
وعلى المستوى الحزبي، عُرفت أبو زيد أيضاً بمواقفها الصريحة في النقاش الداخلي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث لم تتردد في انتقاد الاختيارات التنظيمية والسياسية للحزب والدعوة إلى استعادة دوره التاريخي في الحياة السياسية المغربية. وفي مرحلة لاحقة، دخلت في مواجهة سياسية وتنظيمية مع قيادة الحزب، وبرز اسمها ضمن الأصوات التي دافعت عن إعادة بناء الاتحاد الاشتراكي على أسس مؤسساتية وديمقراطية.
وتكشف هذه المحطات عن شخصية سياسية تجمع بين التكوين العلمي والمهني، والخبرة البرلمانية، والعمل الحزبي، والقدرة على الترافع في الملفات الوطنية الكبرى. كما أن تكوينها في الصيدلة وإدارة الأعمال، إلى جانب اهتمامها بالقانون والسياسة، منحها مساراً متعدد الأبعاد، بعيداً عن الصورة التقليدية للفاعل السياسي.
وتبقى كلميم حاضرة بقوة في سيرة حسناء أبو زيد، ليس فقط باعتبارها مسقط رأسها، وإنما باعتبارها جزءاً من فضاء جغرافي وتاريخي ارتبط لعقود بالنقاش حول الصحراء والهوية والامتداد الصحراوي للمغرب. وهو ما جعل تجربتها السياسية مرتبطة، بشكل أو بآخر، بأسئلة الجنوب ومستقبل أقاليمه وقضية الوحدة الترابية.
وفي السنوات الأخيرة، استمر اسم حسناء أبو زيد في الظهور في النقاشات المرتبطة بقضية الصحراء والحكم الذاتي، حيث قدمت رؤى تتجاوز الخطاب التقليدي نحو البحث في كيفية بناء الحكم الذاتي من الداخل، وربطه بالممارسة الديمقراطية والتنمية والمؤسسات والتمثيلية المحلية. وقد ظهرت في سنة 2025 ضمن لقاء تناول موضوع “حل الحكم الذاتي الحقيقي في الصحراء ورهان بناء الحل من الداخل”، بما يعكس استمرار اهتمامها بهذا الملف من زاوية سياسية ومؤسساتية.
وبذلك، فإن حسناء أبو زيد لا تختزل في تجربتها البرلمانية أو الحزبية فقط، وإنما تمثل مساراً سياسياً لامرأة تنحدر من الجنوب ، دخلت الحياة السياسية من بوابة اليسار الاتحادي، وتدرجت في مسؤولياته التنظيمية والبرلمانية، قبل أن يصبح اسمها مرتبطاً بشكل خاص بالنقاش حول قضية الصحراء، وتطور مفهوم الحكم الذاتي، ومستقبل الحل السياسي للنزاع.
ومن هذه الزاوية، تظل تجربة حسناء أبو زيد جديرة بالمتابعة، خصوصاً أن رؤيتها لقضية الصحراء لا تقف عند حدود الدفاع عن المقترح المغربي، وإنما تطرح أيضاً أسئلة مرتبطة بما بعد الحل: كيف يمكن بناء حكم ذاتي فعلي؟ وكيف يمكن تحويل المقترح إلى ممارسة مؤسساتية وسياسية وتنموية؟ وكيف يمكن جعل سكان الأقاليم الجنوبية طرفاً أساسياً في بناء هذا النموذج؟
وهي أسئلة تجعل مسار أبو زيد السياسي مرتبطاً، بصورة مباشرة، بأحد أهم الملفات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
تعليقات الزوار