في خطوة دبلوماسية لافتة تعكس دينامية المغرب في تعزيز التعاون جنوب-جنوب، استقبل امس الاثنين جلالة الملك محمد السادس، بالقصر الملكي بالرباط وزراء خارجية دول الساحل الإفريقي، في لقاء حمل دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد، هذا الاستقبال الملكي يأتي في سياق إقليمي متحرك، تشهده منطقة الساحل، التي تواجه تحديات أمنية وتنموية متشابكة، مما يمنح للحدث أبعادا تتصل بإعادة بناء التحالفات الإقليمية وصياغة تصورات جديدة للتعاون الإفريقي.
وقد أكد عدد من المتابعين أن هذه المبادرة الملكية تنسجم مع الرؤية الإفريقية للمغرب، القائمة على الشراكة المتكافئة والتضامن الفعلي، لا سيما في ظل السياقات الجديدة التي تعرفها القارة، والتي تفرض على بلدانها إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية.
وأضاف محللون أن حضور وزراء خارجية دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا يعكس حجم الثقة التي بات المغرب يحظى بها كفاعل محوري في غرب ووسط إفريقيا، وكجسر تواصل بين شمال القارة وعمقها الاستراتيجي.
ويرى متتبعون أن اللقاء لم يكن مناسبة رمزية فقط، بل شكل محطة للتشاور السياسي حول مستقبل التعاون الإقليمي، خصوصًا في ضوء الديناميات الجديدة التي أفرزتها تحولات الساحل، والتي جعلت من ضرورة البحث عن مقاربات أمنية وتنموية بديلة أولوية ملحة.
وأكدت مصادر مطلعة أن الاستقبال الملكي أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل منظومة الساحل وموقع المغرب فيها، لاسيما بعد تصاعد الأدوار الإقليمية للقوى الإفريقية الجديدة وتراجع بعض الأطر التقليدية للتعاون.
في هذا السياق، اعتبر خبراء في العلاقات الدولية أن اللقاء يندرج ضمن توجه مغربي واضح لبناء شراكات مرنة ومتعددة الأبعاد، تدمج البعد الأمني بالاقتصادي والإنساني، وتستند إلى منطق رابح-رابح. وأشاروا إلى أن المغرب، من خلال هذه المبادرة، يعيد تشكيل هندسة العلاقات مع فضاء الساحل، بعيدًا عن التمركزات التقليدية، ووفق مقاربة عملية تجعل من التنمية والتكامل الإقليمي مرتكزًا أساسيا لأي رؤية مشتركة.
وقد شدد العاهل المغربي، خلال اللقاء، على أهمية التلاحم الإفريقي ومركزية الحوار السياسي الصادق بين دول الجنوب، منوهًا بالدور الذي يمكن أن تلعبه دول الساحل في بناء فضاء إفريقي آمن ومندمج، قادر على مواجهة التحديات المشتركة. وأضاف الملك أن المغرب يضع تجربته ومؤسساته وخبراته رهن إشارة هذه الدول، انطلاقًا من قناعته بأن مستقبل إفريقيا لا يمكن أن يُبنى إلا بسواعد أبنائها.