بقلم محمد سالم الشافعي
تشهد الساحة السياسية المغربية، خلال الفترة الأخيرة، تصاعداً لافتاً في حدة السجالات الحزبية، بالتزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وسط تبادل للبيانات والبلاغات، واحتدام النقاش حول الانتقالات الحزبية واستقطاب المنتخبين، فضلاً عن الصراع حول الترشيحات وترتيب اللوائح، في مشهد يعكس ارتفاع منسوب التنافس السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات.
ويبرز الخلاف بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة باعتباره أحد أبرز مظاهر هذا التوتر، خصوصاً على خلفية ملف الانتقالات الحزبية، وما رافقه من سجالات بشأن انتقال منتخبين من تنظيم سياسي إلى آخر، والاتهامات المتبادلة حول أساليب الاستقطاب والضغوط التي قد ترافق تغيير الانتماء السياسي.
وفي هذا السياق، رد حزب الأصالة والمعاصرة على ما ورد في بيان للتجمع الوطني للأحرار، مؤكداً أن الانتقال من حزب إلى آخر يندرج ضمن الحقوق التي يكفلها القانون، ورافضاً ما اعتبره محاولات لإقحامه في اتهامات تمس بأخلاقيات الممارسة السياسية وقواعد التنافس الديمقراطي.
كما نفى الحزب الاتهامات المتعلقة باستمالة منتخبين ينتمون إلى التجمع الوطني للأحرار وترشيحهم باسم الأصالة والمعاصرة، فضلاً عن رفض الإيحاء بأن بعض المنتخبين تعرضوا لضغوط أو إكراهات دفعتهم إلى تغيير انتماءاتهم السياسية.
غير أن السجال لا يبدو محصوراً بين الحزبين، إذ تتسع دائرة النقاش لتشمل مجموعة من الممارسات المرتبطة بالاستعداد للاستحقاقات المقبلة، من بينها تدبير الترشيحات وترتيب اللوائح، وما يرافق ذلك من انتقادات بشأن المعايير المعتمدة في اختيار المرشحين والمرشحات.
وفي هذا الإطار، أثارت معطيات متداولة بشأن مطالبة مناضلات داخل أحد الأحزاب بأداء مبالغ مالية مقابل ترتيبهن ضمن اللوائح الجهوية والوطنية جدلاً واسعاً، وسط دعوات إلى توضيح حقيقة هذه المعطيات ومدى صحتها، بالنظر إلى ما يمكن أن تثيره مثل هذه الممارسات، في حال ثبوتها، من أسئلة جدية حول شفافية تدبير الترشيحات داخل الأحزاب.
وبعيداً عن صحة هذه الاتهامات من عدمها، فإن مجرد تداولها يطرح سؤالاً أكبر حول طبيعة الممارسات التي ترافق الاستعداد للمواعيد الانتخابية، وحول ما إذا كانت المنافسة داخل بعض التنظيمات تدور حول البرامج والكفاءات، أم حول المواقع والمراتب وفرص الوصول إلى المؤسسات المنتخبة.
ويحذر متابعون للشأن السياسي من أن تحويل التنافس الانتخابي إلى صراع محموم حول المواقع والمراتب، بعيداً عن البرامج والاختيارات السياسية، قد ينعكس سلباً على صورة الأحزاب لدى المواطنين، خصوصاً في ظل تنامي الانتقادات الموجهة إلى النخب السياسية بشأن ضعف التواصل والوفاء بالالتزامات الانتخابية.
وتتجاوز تداعيات هذه السجالات حدود الخلافات التنظيمية بين الأحزاب، لتطال صورة العمل السياسي برمته. فعندما يصبح الانتقال بين التنظيمات أو ترتيب المرشحين مرتبطاً أساساً بالحسابات الانتخابية والمصلحية، فإن ذلك قد يضعف ثقة الناخب في جدوى الانتماء الحزبي وفي قدرة المؤسسات السياسية على تقديم بدائل حقيقية.
فالحزب السياسي، في جوهره، ليس مجرد وسيلة للوصول إلى المقاعد المنتخبة، وإنما يفترض أن يكون فضاءً لتكوين النخب وتأطير المواطنين وإنتاج الأفكار والبرامج، وهو ما يجعل شفافية الترشيحات ونزاهة التنافس الداخلي جزءاً أساسياً من مصداقية العملية الديمقراطية.
وفي المقابل، فإن الانتقالات الحزبية ليست بالضرورة مؤشراً سلبياً في حد ذاتها، ما دامت تتم وفق القانون وبقرار سياسي واضح ومسؤول، غير أن الإشكال يبرز عندما تتحول إلى ظاهرة مرتبطة بقرب الانتخابات، أو عندما يصبح تغيير الانتماء السياسي مجرد وسيلة لضمان موقع انتخابي أفضل.
كما أن انتقال منتخب من حزب إلى آخر يظل حقاً سياسياً وقانونياً، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً أخلاقياً أمام الناخب الذي صوّت على أساس اسم الحزب وبرنامجه ورموزه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن يكون السياسي واضحاً في تبرير اختياره، وأن لا يتحول الانتماء الحزبي إلى مجرد محطة مؤقتة مرتبطة بالاستحقاقات والمصالح الانتخابية.
ومن جهة أخرى، فإن معركة الترشيحات داخل الأحزاب قد تكون أكثر حساسية من المنافسة بين الأحزاب نفسها، لأن اختيار المرشحين وترتيبهم على اللوائح يحدد إلى حد كبير طبيعة النخب التي ستصل إلى المؤسسات المنتخبة خلال الولاية المقبلة.
ولهذا، فإن معيار الكفاءة والنزاهة والحضور الميداني والقدرة على التواصل مع المواطنين يفترض أن يحتل موقعاً مركزياً في عملية اختيار المرشحين، بعيداً عن منطق الولاءات الشخصية أو القدرة المالية أو العلاقات التنظيمية الضيقة.
كما أن حضور النساء والشباب في اللوائح الانتخابية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد استجابة شكلية للمقتضيات القانونية أو إلى أرقام لتحسين صورة الأحزاب، وإنما يفترض أن يكون مدخلاً حقيقياً لتجديد النخب وإدماج كفاءات جديدة في الحياة السياسية.
ويطرح هذا الأمر نفسه بقوة في ظل النقاش المتزايد حول تمثيلية النساء، خصوصاً في اللوائح الجهوية والوطنية، حيث ينتظر المواطن أن تكون هذه اللوائح مجالاً لإبراز كفاءات نسائية قادرة على تحمل المسؤولية، وليس مجرد وسيلة لتحقيق التوازن العددي.
وفي السياق نفسه، فإن الشباب بدورهم ينتظرون من الأحزاب أن تمنحهم مساحة حقيقية داخل مواقع القرار، بدل الاكتفاء باستدعائهم خلال الحملات الانتخابية أو استخدامهم في الأنشطة التواصلية والمهرجانات السياسية.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر أصبح أكثر تأثيراً في المشهد الانتخابي، يتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى فضاء رئيسي للتراشق السياسي وتبادل الاتهامات ونشر المعطيات المتعلقة بالترشيحات والتحالفات والانتقالات.
وبقدر ما تتيح هذه المنصات للأحزاب والمرشحين التواصل المباشر مع المواطنين، فإنها تفتح أيضاً الباب أمام انتشار الأخبار غير الموثقة والإشاعات والتأويلات، خصوصاً في فترة انتخابية تعرف عادة ارتفاعاً كبيراً في منسوب الاستقطاب.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب والمرشحين في التمييز بين المنافسة السياسية المشروعة وبين حملات التشهير، وبين النقد السياسي الذي يخدم النقاش العمومي والخطاب الذي يستهدف الأشخاص بدل مناقشة أفكارهم وبرامجهم.
فالانتخابات ليست مجرد يوم للاقتراع، وإنما مسار كامل يبدأ باختيار المرشحين، ويمر بالحملة الانتخابية، وينتهي بتدبير المسؤولية بعد إعلان النتائج. وكل خلل في إحدى هذه المراحل يمكن أن يؤثر في صورة العملية السياسية برمتها.
كما أن المواطن أصبح أكثر حساسية تجاه الخطاب الانتخابي، وأقل استعداداً لتقبل الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. ولذلك فإن الأحزاب مطالبة ليس فقط بتقديم برامج انتخابية، وإنما أيضاً بتوضيح آليات تنفيذها ومصادر تمويلها والمدة الزمنية اللازمة لتحقيقها.
وفي هذا الإطار، فإن الصراع على المقاعد والمواقع ينبغي ألا يحجب الأسئلة الكبرى التي تهم المواطنين، من قبيل التشغيل، والصحة، والتعليم، والسكن، والتنمية المجالية، ودعم المقاولات، وتحسين الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
فالناخب المغربي لا ينتظر فقط معرفة من سينجح في الظفر بالمقعد، وإنما يريد أن يعرف ماذا سيُقدَّم له بعد الانتخابات، وما هي البرامج التي ستغير حياته اليومية، وما هي الالتزامات التي سيكون المنتخبون مستعدين للدفاع عنها بعد انتهاء الحملات الانتخابية.
ومن هنا، فإن استمرار التراشق الحزبي دون الانتقال إلى مناقشة البرامج قد يؤدي إلى خلق انطباع لدى المواطن بأن الانتخابات ليست سوى صراع بين النخب حول المواقع، وهو انطباع قد يساهم في توسيع دائرة العزوف عن المشاركة السياسية.
وتزداد خطورة هذا الأمر عندما تتحول الخلافات الداخلية إلى معارك علنية، لأن المواطن لا يميز دائماً بين الخلاف التنظيمي المشروع وبين الأزمة السياسية، وقد ينتهي به الأمر إلى تعميم صورة سلبية على جميع الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
ومع اقتراب انتخابات 2026، تبدو الحاجة أكبر إلى خطاب سياسي مسؤول، وإلى منافسة تقوم على المقارنة بين البرامج والكفاءات، وليس على تبادل الاتهامات أو كشف الخلافات الداخلية أمام الرأي العام.
كما أن الأحزاب مطالبة بتطوير آلياتها الداخلية في تدبير الخلافات والاختلافات، واعتماد قدر أكبر من الديمقراطية الداخلية والشفافية في اختيار المرشحين، حتى تكون نتائج الانتخابات انعكاساً حقيقياً لاختيارات المواطنين، وليس فقط لتوازنات داخلية أو صراعات تنظيمية.
ولا يتعلق الأمر هنا بحزب دون آخر، وإنما بإشكالية أوسع ترتبط بصورة الممارسة الحزبية في المغرب، وبمدى قدرة التنظيمات السياسية على تجديد نفسها وإقناع المواطن بأن الانتماء الحزبي يقوم على مشروع سياسي وأفكار وقيم، وليس فقط على حسابات انتخابية ظرفية.
فالرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيتمكن من حصد أكبر عدد من المقاعد، وإنما أيضاً بقدرة الفاعلين السياسيين على إعادة الاعتبار للعمل الحزبي واستعادة ثقة المواطن، من خلال ممارسة سياسية تجعل الانتخابات مناسبة للتنافس حول البرامج والأفكار والبدائل، لا مجرد سباق نحو المواقع والمراتب.
وبينما ترفع الأحزاب درجة استعدادها للاستحقاقات المقبلة، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل ستنجح انتخابات 2026 في الارتقاء بالنقاش السياسي نحو البرامج والبدائل، أم سيطغى مجدداً منطق التراشق الحزبي وصراع المواقع والمراتب؟