صوت الصحراء:القسم السياسي
شهدت مدينة العيون في الأيام الأخيرة حدثًا سياسيًا استثنائيًا وصفه مراقبون بأنه “الزحف الكبير لولد الرشيد”، حيث حول القيادي في حزب الاستقلال، محمد ولد الرشيد، الساحة المحلية إلى منصة لإعادة تعريف قواعد النفوذ السياسي في الأقاليم الجنوبية. لم يكن الحشد الجماهيري الهائل مجرد استعراض قوة، بل رسالة سياسية متكاملة لكل من الحزب والمنافسين والمركز، تحمل دلالات استراتيجية تتجاوز حدود المدينة نفسها.
رغم الانتقادات التي ركزت على استغلال بعض الموارد، مثل بطائق الدعم الاجتماعي (“الكرطيات”)، والروابط العائلية، والامتيازات المحلية لحشد الجماهير، يرى محللون أن الذكاء السياسي لولد الرشيد لا يكمن في هذه الموارد فقط، بل في قدرته على تحويلها إلى قوة منظمة، وحشد متماسك، وكتلة بشرية قادرة على التأثير في المعادلات الحزبية والسياسية. وهذه القدرة على إدارة “الريع الرمزي” وتحويله إلى قوة سياسية فعلية لا يتمكن الخصوم من محاكاتها بسهولة، مهما توفرت لهم الموارد.
ولد الرشيد بعث برسالة واضحة إلى قيادة الحزب في الرباط: الشرعية الانتخابية داخل حزب الاستقلال ليست حصريًا من نصيب المكاتب المركزية، بل تأتي من القدرة على التحكم بالقاعدة الشعبية في الأقاليم الجنوبية. هذا الحشد يحمي تياره من أي محاولات لإضعاف نفوذه داخل الهياكل العليا، ويثبت أن معادلة القوة داخل الحزب تمر عبر الصحراء.
في مواجهة طموحات حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة في التوسع جنوباً، أراد ولد الرشيد أن يضع قواعد واضحة: العيون ليست منطقة مفتوحة لأي تجربة انتخابية. الرسالة واضحة: الندية ضرورية، وأي محاولة لتغيير خريطة النفوذ تصطدم بعقبات جماهيرية وتنظيمية كبيرة، تجعل أي اختراق صعبًا ومكلفًا سياسياً.
ولد الرشيد قدم نفسه مرة أخرى كـ”صمام أمان” في منطقة ذات حساسية استراتيجية عالية، وقدرته على ضبط التوازنات القبلية والاجتماعية واحتواء أي صراعات محلية جعلته ضمانة لاستقرار الصحراء في نظر المركز، خصوصًا في مرحلة تشهد تحديات إقليمية مرتبطة بالحدود البحرية والصراعات المجاورة.
ويكشف الحشد الكبير والمنظم على الأرض عن قدرة ولد الرشيد على الدمج بين السياسة التقليدية والنفوذ الاجتماعي. فهو لا يعتمد فقط على الهيكل الحزبي الرسمي، بل على شبكة علاقات ممتدة تشمل القبائل والأعيان والفاعلين المحليين، وحتى الجمعيات المدنية التي تشكل في مجموعها قاعدة سياسية صلبة.
منافسو ولد الرشيد وجدوا أنفسهم في موقف حرج: حزب التجمع الوطني للأحرار، رغم امتلاكه السلطة الحكومية، لم ينجح في اختراق هذا النسيج الاجتماعي والسياسي الذي نسجه ولد الرشيد عبر عقود من العمل الميداني، بينما الأصالة والمعاصرة، رغم محاولات الاستعانة بالأعيان المحليين، لم يتمكن من ابتكار استراتيجيات تكتيكية فعّالة على رقعة النفوذ، ما يعكس أن السيطرة السياسية هنا لا تُصنع بالمال وحده، بل بالوقت، والصبر، وبناء الولاءات الاجتماعية المتواصلة.
السر يكمن في الذكاء السياسي العميق والمتجذر في فهم خصوصيات الصحراء، حيث تتداخل القبلية بالسياسة، والتاريخ المحلي بالتحالفات الحزبية، وتصبح الولاءات الاجتماعية رأس مال سياسي حقيقي. الصحراء ليست مجرد رقعة انتخابية، بل ملعب معقد تحتاج فيه إلى حنكة استراتيجية لتفكيك الشبكات التقليدية وإعادة رسم الولاءات.
من خلال هذا الحشد الكبير، أعاد ولد الرشيد صياغة معادلة النفوذ في العيون، وأثبت أن المرحلة القادمة في السياسة المحلية ستحسم في الميدان أكثر من أي مكتب مركزي، وأن قاعدة النفوذ الصحراوي لن تُمنح إلا لمن يعرف قواعدها الدقيقة، ويجيد اللعب ضمن شبكة معقدة من الولاءات والتوازنات.
afterheader desktop
afterheader desktop

تعليقات الزوار