بقلم: محمد فاضل حمنة
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يزداد حضور الخطاب السياسي على منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، وهو أمر طبيعي في أي مجتمع ديمقراطي. غير أن ما يثير الانتباه هو تحول بعض الصفحات والمنابر إلى فضاءات للمدح والتمجيد المبالغ فيه لمنتخبين ومسؤولين، في مشهد يبتعد عن جوهر العمل الإعلامي القائم على الموضوعية والتوازن.
إن دور الإعلام، سواء كان صحيفة إلكترونية أو صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يتمثل في صناعة الأبطال أو تقديم المسؤولين على أنهم فوق التقييم والمساءلة، وإنما في نقل الوقائع كما هي، وإتاحة المجال للرأي والرأي الآخر، وتمكين المواطن من تكوين موقفه بناءً على المعلومات، لا على حملات التلميع.
المبالغة في الإشادة بالمنتخبين، أو تصوير كل خطوة يقومون بها على أنها إنجاز استثنائي، لا تخدم المصلحة العامة، بل قد تعطي انطباعًا بأن المواطنين غير قادرين على التمييز بين الإنجاز الحقيقي والدعاية السياسية. والحقيقة أن المواطن اليوم أكثر وعيًا، ويستطيع أن يحكم بنفسه على أداء المسؤولين من خلال واقع الخدمات وجودة البنية التحتية ومستوى التنمية، وليس من خلال المنشورات المليئة بعبارات الثناء.
ولا يعني هذا التقليل من أي إنجاز حقيقي، فكل مشروع يخدم الصالح العام يستحق الإشادة، لكن الإشادة ينبغي أن تكون مبنية على الوقائع والأرقام، وأن تقدم في إطار مهني متوازن، بعيدًا عن المبالغة أو الشخصنة أو محاولة صناعة صورة مثالية لمسؤول أو منتخب.
إن أخلاقيات المهنة الصحفية تقتضي الاستقلالية، والابتعاد عن الترويج غير الموضوعي، والفصل بين الخبر والرأي، واحترام حق القارئ في الوصول إلى معلومة دقيقة ومتوازنة. فالإعلام الذي يفقد استقلاليته، ويفضل التمجيد على النقد المسؤول، يفقد تدريجيًا ثقة جمهوره، وهي رأس ماله الحقيقي.
ومن هذا المنطلق، فإننا ندعو جميع الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وكافة المواقع الإلكترونية، إلى الالتزام بأخلاقيات العمل الإعلامي، وتجنب لغة المدح والتمجيد لأي منتخب أو مسؤول، لأن وظيفة الإعلام ليست التأثير على قناعات المواطنين أو الوصاية على آرائهم، بل تمكينهم من الوصول إلى الحقيقة كما هي، بكل مهنية وحياد.
إن احترام ذكاء المواطن، والالتزام بالمصداقية، والاحتكام إلى الوقائع، هي المبادئ التي تصنع إعلامًا مسؤولًا، وتساهم في ترسيخ ثقافة المساءلة، وتعزز ثقة المجتمع في الصحافة، باعتبارها سلطة رقابية في خدمة الصالح العام، لا منبرًا للدعاية أو الترويج لأي طرف كان.
تعليقات الزوار