حين تتحول القبلية في الصحراء إلى وسيلة للنفوذ… من يدافع عن الضعفاء؟

صوت الصحراء
ليست القبيلة هي المشكلة، بل طريقة توظيفها. فالقبيلة في الصحراء كانت عبر التاريخ مدرسة في التكافل والتضامن، وسندًا للمحتاج، ومرجعًا للإصلاح بين الناس. لكن المؤسف أن بعض الفاعلين حولوا هذا الرصيد الاجتماعي إلى ورقة انتخابية وسلاح للضغط وحماية المصالح الشخصية.
في كل استحقاق انتخابي، تُرفع شعارات الوحدة والوفاء للقبيلة، وتُستنفر الطاقات لحشد الأصوات، ويُطلب من الجميع الاصطفاف خلف أشخاص بعينهم، وكأن مصلحة القبيلة مرتبطة ببقائهم في مواقع النفوذ. وبعد انتهاء الانتخابات، تختفي تلك الحماسة، ويعود الضعفاء إلى واقعهم، ينتظرون فرصة عمل، أو علاجًا، أو سكنًا، أو إنصافًا لا يأتي.
المفارقة أن بعض من يتحدثون باسم القبائل لا يتحركون بنفس القوة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن شبابها العاطلين، أو أراملها، أو فقرائها، أو ضحايا الإقصاء. وكأن قيمة الإنسان أصبحت تُقاس بقدرته على خدمة مشروع انتخابي، لا بكونه فردًا يستحق الدعم والكرامة.
الأخطر من ذلك هو استخدام الانتماء القبلي لإسكات كل صوت ناقد، أو لتخوين كل من يطالب بالمحاسبة والشفافية. فبمجرد أن ينتقد أحد مسؤولًا أو منتخبًا، يُصور الأمر وكأنه استهداف للقبيلة بأكملها، بينما الحقيقة أن محاسبة المسؤول حق مشروع، ولا علاقة لها بالانتماءات الاجتماعية.
إن القبائل ليست شركات خاصة، وليست ملكًا لأشخاص يتحدثون باسمها كلما اقتضت مصالحهم ذلك. القبيلة تضم أطيافًا مختلفة، وأبناءها ليسوا كتلة واحدة تُوجَّه وفق رغبة هذا الشخص أو ذاك. ومن حق كل فرد أن يختار موقفه السياسي بحرية، بعيدًا عن أي ضغط اجتماعي أو ابتزاز معنوي.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات لا تتقدم بمنطق العصبية، بل بالكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص. وما تحتاجه الصحراء اليوم ليس مزيدًا من الخطابات التي تستحضر القبيلة عند الانتخابات، بل مشاريع تنموية حقيقية، ومؤسسات قوية، ومسؤولين يضعون مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
فالأرض لا يحميها من يتاجر باسم القبيلة، بل من يعمل على تنميتها، ويحافظ على مصالح سكانها، ويوفر فرص العيش الكريم لأبنائها. والتنمية لا تُقاس بعدد الولاءات التي يجمعها السياسي، بل بما يحققه من نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.
إن مستقبل الصحراء يجب أن يُبنى على المواطنة، وسيادة القانون، والمساواة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. أما القبلية، فينبغي أن تبقى إطارًا للتضامن الاجتماعي، لا وسيلة لاحتكار القرار أو استغلال البسطاء أو حماية المصالح الضيقة.
فالأوطان لا تنهض بالعصبيات، وإنما تنهض عندما يكون الإنسان هو الأولوية، وعندما يصبح السؤال الحقيقي: ماذا قدم المسؤول للناس؟ لا: إلى أي قبيلة ينتمي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد