صوت الصحراء:
سنعيش على امتداد أسبوعين أو أكثر أياماً استثنائية بكل المقاييس؛ أياماً يكثر فيها الحب والحنين، وتتسع فيها صلة الرحم، وتكثر عيادة المريض وفعل الخير.
سنعيش، بإذن الله، أياماً ألفناها كل ست سنوات؛ أياماً تهطل فيها الأموال كما تهطل الأمطار الطوفانية، أو كما تنزل موائد السماء. لكنها هذه المرة ليست أموالاً من ضرائب الشعب أو مقدراته، بل أموالٌ جرى اكتنازها لتُفتح أبوابها في الوقت المناسب، فتصل إلى جيوب لطالما انتظرت عطف محسن، أو مكرمة فاعل خير، أو سخاء فاعل سياسي.
سنعيش أياماً مختلفة تماماً عن تلك التي نحياها الآن. سيكثر الكلام المنمق، وستتوزع عبارات الشكر والمديح، وقد ترى الذئب يحنّ، والكلب يفي، وبعض الناس يتحولون فجأة إلى ملائكة تمشي بيننا.
في هذه الأيام قد تكثر الصلاة وتمتلئ المساجد، فيما ستزدحم الشوارع بالسيارات المزينة بالصور والأعلام واللافتات، التي أبدعتها المطابع وجادت بها أقلام وقرائح أتقنت فن التمجيد والتجميل والتطبيل.
وفي هذه الأيام، سيعد كل طرف عدته، ويشحذ أدواته من زاويته. هناك من سينفق مرغماً، ومن سيعطي بلا حساب، وهناك من سيأخذ ويدخر، ومن سينعش حسابه البنكي، ومن سيغتني، فيما قد تتراجع أرقام معاملات آخرين إلى حين، مقابل حلم الجلوس على مقعد في دكة البرلمان.
وفي هذه الأيام القليلة القادمة، سيحلف البعض بالله جهد أيمانهم، وسيتعهدون ويعدون؛ فمنهم من سيخلف، ومنهم من قد يفي، والله وحده أعلم.
وفي العشر الأواخر من شتنبر، سيبلغ المشهد ذروته: سيكثر التواضع، ويزداد الزهد في المال، ويعم السخاء والعطاء. وسيزورنا وزراء وأمناء أحزاب ألفناهم على شاشات التلفاز، ببذلاتهم الأنيقة وربطات أعناقهم وحليهم اللامعة، لكن هذه المرة لن يكون اللقاء عبر الشاشة، بل في عقر دارنا.
سيظهر أناس بوجه جديد، يدّعون الطيبة وحب الوطن والمواطن، ويتظاهرون بأنهم يتألمون لآلامه ويفرحون لفرحه، ولو لساعات، في انتظار إعلان النتيجة المنتظرة، أو انتظار أن يتجدد اللقاء مرة أخرى بعد ست سنوات.
وفي هذه الأيام ستدور عجلة الاقتصاد بلا توقف، وسيكثر الإنفاق، ومعه النشاط والسهر والليالي الملاح. سيصبح المستحيل ممكناً، والصعب سهلاً، وما كان بعيد المنال قريباً.
قل ما شئت، واطلب ما شئت، فالموسم الانتخابي له قاموسه الخاص، ومواعيده الخاصة، ووعوده التي لا تشبه بالضرورة ما يأتي بعدها.
لكن، وسط كل هذا الصخب، تبقى حقيقة واحدة لا تتغير: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾.
فطوبى لمن جعل الانتخابات محطة للعمل الصالح، وأخلص وجهه لله، وخدم الناس بصدق، ولم يجعل حاجاتهم سلماً إلى مقعد، ولا أصواتهم طريقاً إلى مصلحة شخصية. أما المال والوعود والصور واللافتات، فكلها تزول، ويبقى الأثر… ويبقى الحساب.