بقلم محمد سالم الشافعي
يبدو أن الانتخابات تقترب، ومعها تقترب أيضاً نهاية موسم الصمت وبداية موسم “المعجزات”. فجأة، يصبح كل شيء ممكناً: كهرباء بلا مقابل، معاشات أعلى، ضرائب أقل، دعم أكثر، وخدمات عمومية بجودة أفضل… وكأن الخزينة العمومية اكتشفت فجأة منجماً سرياً للأموال لم يخبر به أحد المواطنين من قبل.
المشكلة ليست في أن يحلم السياسي بتحسين حياة الناس، فهذا واجبه، وإنما في أن يقدم الوعود وكأن تنفيذها لا يحتاج إلى ميزانية ولا إلى موارد ولا إلى حسابات.
فحين يقول مرشح إنه سيرفع الدعم، أو يخفض الضرائب، أو يمنح امتيازات اجتماعية جديدة، فإن السؤال البسيط الذي ينبغي أن يطرح عليه هو: من سيدفع؟
فالدولة لا تمول برامجها من التصفيق، ولا تؤدي الفواتير بالشعارات. هناك ميزانية، وموارد محدودة، والتزامات قائمة، وبرامج اجتماعية تحتاج بدورها إلى تمويل مستمر. وكل وعد جديد له ثمن، وإذا لم يظهر هذا الثمن في البرنامج الانتخابي، فإنه سيظهر لاحقاً في مكان آخر.
أما خطاب السيادة والهوية، فقد يكون مهماً في النقاش السياسي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مظلة تختبئ تحتها الأسئلة اليومية للمواطن. فالمواطن يريد سيادة يلمسها في مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر نجاعة، وإدارة لا ترهقه، وقدرة شرائية تحميه من الغلاء، وفرص شغل تمنحه أملاً حقيقياً.
السيادة ليست فقط شعاراً يرفع في التجمعات؛ إنها أيضاً قدرة الدولة على اتخاذ قرارات فعالة وتحويلها إلى نتائج يشعر بها المواطن.
والأخطر أن بعض البرامج قد تتحول إلى سباق في “من يعد أكثر”، وكأن الفوز الانتخابي يقاس بحجم الوعود لا بواقعية المشاريع. وفي هذه الحالة يصبح الناخب أمام عروض كثيرة، لكن من دون دفتر تحملات يوضح الكلفة والموارد والآجال والمسؤول عن التنفيذ.
وهنا ينبغي أن يتغير دور الناخب نفسه.
فبدلاً من السؤال: “ماذا ستعطيني؟”، عليه أن يسأل: “بأي مال؟ ومتى؟ وكيف؟ ومن سيحاسب إذا لم تنفذ؟”.
هذه الأسئلة البسيطة قادرة على إسقاط الكثير من الوعود من فوق منصات الخطابة إلى أرض الواقع، حيث لا مكان للعبارات الفضفاضة.
والأحزاب بدورها مطالبة بأن تتعامل مع المواطن باعتباره ناخباً لا زبوناً انتخابياً. فالبرنامج الانتخابي ليس منشوراً دعائياً ينتهي مفعوله بانتهاء الحملة، وإنما يفترض أن يكون التزاماً سياسياً يمكن الرجوع إليه ومقارنة ما تحقق منه بما تم التعهد به.
ومن حق المواطن، بعد انتهاء الولاية، أن يفتح ذلك البرنامج من جديد ويسأل: ماذا تحقق؟ ماذا تعثر؟ لماذا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
فالانتخابات ليست موسم توزيع الأحلام، والمرشح ليس بائعاً يقدم عرضاً ينتهي بانتهاء التخفيضات.
في النهاية، ستبقى الدولة أمام ميزانية محدودة، ومواطن أمام حاجيات متزايدة، ومنتخب أمام مسؤولية لا تنتهي بمجرد الحصول على المقعد.
لذلك، ربما آن الأوان لأن ننتقل من “ماذا سنفعل لكم؟” إلى “ماذا نستطيع فعلاً أن نفعل، وكيف سنفعله، وكم سيكلف؟”.
لأن أكبر مشكلة في الوعود الانتخابية ليست أنها كثيرة… بل أن بعضها يُقدم للمواطن اليوم، ثم يبحث الجميع غداً عن الطريقة التي تجعل الدولة تدفع ثمنه.