الأغلبية والمعارضة في المغرب… مسرحية مستمرة والشعب يدفع ثمن التذكرة!

صوت الصحراء
تقول إحدى المقولات الشهيرة: “قبل أن تأكل القطة الفأر، عليها أن تلعب به حتى الموت”.

ولعل هذه المقولة تصلح استعارةً لوصف حال المواطن المغربي وهو يتابع المشهد السياسي، حيث تتناوب الأغلبية والمعارضة على تقديم الوعود، وتبادل الانتقادات، ورفع الشعارات، بينما يظل المواطن عالقاً بين مطرقة الغلاء وسندان الأزمات الاجتماعية، ينتظر أن يرى أثراً ملموساً لكل هذا الصخب السياسي في حياته اليومية.

أما البرلمان، الذي يفترض أن يكون مؤسسة للتشريع والرقابة والدفاع عن مصالح الشعب، فقد أصبح في نظر كثير من المواطنين أشبه بسيرك سياسي مفتوح، تُعرض فيه فصول الفرجة، وتُتبادل فيه التهم من هذا الجانب إلى ذاك، وتعلو الأصوات وتشتد المناوشات، حتى يكاد النقاش حول هموم المواطنين الحقيقية يضيع وسط الضجيج.

تارةً يتبادل النواب الاتهامات، وتارةً يتراشقون بالعبارات، وتارةً يتحول النقاش إلى استعراض أمام الكاميرات، وكأن الهدف هو إحراج الخصم وانتزاع التصفيق، لا إيجاد الحلول للمشاكل التي تؤرق المغاربة.

والمواطن، المسكين، يتابع هذا العرض السياسي، ويتساءل في قرارة نفسه: هل دخلنا البرلمان لنشاهد مسرحية مجانية، أم لنرى مناقشة جادة للتعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية؟

ففي الوقت الذي ينشغل فيه المواطن بحساب ما تبقى في جيبه قبل نهاية الشهر، ينشغل بعض السياسيين بحساب النقاط التي يمكن تسجيلها على خصومهم. وفي الوقت الذي ينتظر فيه الشباب فرصة عمل، وينتظر فيه المريض موعداً للعلاج، وينتظر فيه المواطن انفراجاً في الأسعار، يجد نفسه أمام خطابات متكررة، ووعود تتجدد، واتهامات تتبادل، وكأن الزمن السياسي يدور في حلقة مفرغة.

الأغلبية والمعارضة… من يلعب دور القطة ومن يؤدي دور الفأر؟

الأغلبية تقول إنها تعمل وتنجز، وتدافع عن حصيلتها، وتحمّل الظروف والإكراهات مسؤولية ما تعثر من مشاريع ووعود.

والمعارضة ترفع صوتها، وتنتقد التدبير الحكومي، وتكشف الاختلالات، وتتهم الأغلبية بالتقصير، وتقدم نفسها باعتبارها صوت المواطن والمدافع عن مصالحه.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح على الطرفين هو: إذا كانت الأغلبية تنجز كما تقول، والمعارضة تكشف الاختلالات كما تقول، فلماذا لا تزال قطاعات واسعة من المواطنين تشعر بأن معاناتها اليومية لا تجد ما يكفي من الحلول؟

هل تحولت السياسة إلى لعبة لتبادل الأدوار؟ وهل أصبح البرلمان فضاءً لتسجيل المواقف أكثر منه فضاءً لإنتاج الحلول؟ أم أن الخلل يكمن في المسافة التي اتسعت بين الخطاب السياسي وانتظارات المواطنين؟

لا يمكن وضع الأغلبية والمعارضة في كفة واحدة من حيث المسؤولية، فالأغلبية تتحمل مسؤولية تدبير الشأن الحكومي، بينما تتحمل المعارضة مسؤولية الرقابة والمساءلة وتقديم البدائل. لكن الطرفين مطالبان بتقديم حساب واضح للمواطن، كلٌّ بحسب موقعه وصلاحياته.

فالمعارضة ليست مجرد ميكروفون يرفع الصوت، والأغلبية ليست مجرد حصيلة تُعرض في المؤتمرات والتصريحات. السياسة مسؤولية، والبرلمان ليس حلبة للمصارعة الكلامية، بل مؤسسة يفترض أن يكون النقاش فيها وسيلةً لتحسين حياة الناس.

البرلمان سيرك، لكن الشعب ليس جمهوراً جاء للتسلية!

المشكلة ليست في اختلاف الآراء، ولا في حدة النقاش، ولا في مساءلة الحكومة، فهذه كلها مظاهر طبيعية للعمل الديمقراطي. المشكلة تبدأ عندما تتحول الخلافات إلى مشاهد متكررة من تبادل الاتهامات، ويصبح الاستعراض الإعلامي أكثر حضوراً من مناقشة الحلول، ويخرج المواطن من كل جولة سياسية دون أن يعرف ما الذي سيتغير فعلياً في حياته.

فما قيمة جلسة برلمانية تعلو فيها الأصوات إذا لم تنخفض معها معاناة المواطنين؟

وما جدوى تبادل الاتهامات إذا لم تتبعه محاسبة واضحة؟

وما فائدة البرامج الانتخابية إذا ظلت الوعود أكبر من النتائج التي يلمسها الناس؟

إن البرلمان ليس مسرحاً للضحك، وإن كان بعض ما يقع فيه قد يدفع إلى السخرية، وليس سيركاً لتوزيع الأدوار بين من يتقن الهجوم ومن يتقن الدفاع، بل هو مؤسسة أُنشئت لتمثيل المواطنين وصيانة مصالحهم ومراقبة تدبير الشأن العام.

وإذا كان السياسيون يختلفون حول من يتحمل المسؤولية، فإن المواطن يريد أن يعرف ما الذي سيفعله كل طرف ضمن صلاحياته، ومتى، وكيف ستُقاس النتائج.

والقطة ما زالت تلعب… والفأر بدأ يفقد صبره!

الأخطر في هذه المسرحية ليس فقط استمرار الأزمات، بل تآكل الثقة في العمل السياسي عندما يشعر المواطن أن الخطاب يتكرر، والوجوه تتجادل، والاتهامات تتبادل، بينما تبقى انتظاراته معلقة.

وحينها تصبح السخرية من البرلمان تعبيراً عن خيبة الأمل، ويصبح العزوف عن متابعة النقاش السياسي نتيجة محتملة لشعور بعض المواطنين بأن ما يجري لا يغير كثيراً من واقعهم.

لكن الشعب ليس فأراً بلا إرادة، ولا جمهوراً محكوماً عليه بالتصفيق حتى نهاية العرض. إنه صاحب الحق في السؤال والمحاسبة، وصاحب الكلمة في اختيار ممثليه وفق القواعد الديمقراطية.

فالأغلبية مطالبة بأن تثبت أن الحكم مسؤولية وليس امتيازاً، والمعارضة مطالبة بأن تثبت أن الرقابة أكثر من مجرد صراخ، والبرلمان مطالب بأن يستعيد مكانته كمؤسسة للعمل الجاد، لا أن يظل في أعين المواطنين مسرحاً لتبادل الاتهامات.

أما المواطن، فلا يريد من السياسيين أن يتفقوا في كل شيء، ولا أن يتبادلوا الابتسامات أمام الكاميرات؛ بل يريد اختلافاً ينتج حلولاً، ورقابة تكشف الحقيقة، وحكومة تتحمل مسؤوليتها، ومعارضة تقدم البدائل، ومؤسسة تشريعية تجعل مصلحة الشعب فوق الحسابات الحزبية الضيقة.

فخلاصة القول مسرحية بلا نهاية… إلا إذا قرر الشعب تغيير قواعد الفرجة!

إذا كانت القطة تلعب بالفأر قبل أن تلتهمه، فإن أخطر ما في المشهد السياسي هو أن يظل المواطن عالقاً بين وعود الأغلبية وانتقادات المعارضة، حتى يصبح الأمل نفسه جزءاً من اللعبة.

الأغلبية تتحدث عن الإنجازات، والمعارضة تتحدث عن الإخفاقات، والبرلمان يقدم فصولاً من الجدل والاتهامات، أما الشعب فيجلس أمام الشاشة، يدفع الفاتورة من جيبه، ويتساءل: متى تنتهي الفرجة ويبدأ العمل؟

والسؤال الذي ينبغي أن يقلق كل سياسي ليس: من انتصر على خصمه في جلسة برلمانية؟ بل: ماذا ربح المواطن من هذه الجلسة؟

ففي نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة الديمقراطية بعدد المرات التي يصرخ فيها النواب، ولا بعدد الاتهامات التي يتبادلونها، بل بقدرتها على حماية كرامة المواطن وتحسين ظروف عيشه.

كفى من سياسة تتحول فيها معاناة الشعب إلى مادة للخطابات، ومشاكله إلى ذخيرة لتبادل الاتهامات، وانتظاراته إلى وعود انتخابية مؤجلة!

فالشعب لم ينتخب ممثليه ليكون شاهداً على سيرك سياسي، بل ليكون صاحب المصلحة الأولى في قراراتهم.

وحين يصبح البرلمان فرجة، والسياسة تبادلاً للأدوار، والوعود موسماً لا ينتهي، فمن حق المواطن أن يسأل: هل نحن أمام ديمقراطية تُنتج الحلول، أم أمام مسرحية يتغير فيها الممثلون ويبقى الشعب وحده من يدفع الثمن؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد