بقلم محمد فاضل حمنة
في زمن الغلاء الفاحش، حيث أصبح المواطن يحارب على جميع الجبهات—الطعام، السكن، تربية الأبناء، وضغط المصاريف اليومية—تأتي الفواتير لتزيد الطين بلة. كيف يعقل أن تصل فاتورة الماء إلى 700 درهم، بينما لا تتجاوز في بعض الأحيان 400 درهم للكهرباء؟ هل أصبحنا ندفع ثمن الماء كمصدر للرفاهية بدل أن يكون حقًا أساسيًا؟
المفارقة الصادمة أن الماء الذي يُفرض علينا بهذا السعر الباهظ لا يرقى حتى لمستوى الصلاحية للشرب. رائحة كريهة، طعم غريب، وشكوك دائمة حول جودته، مما يدفع الكثيرين إلى شراء المياه المعدنية، التي رغم ارتفاع سعرها، تبقى أكثر ضمانًا للصحة. فهل يعقل أن يصبح ماء المتاجر أرخص وأفضل من ماء الصنابير؟
عند التدقيق في فواتير الماء والكهرباء، لا يمكن للمرء إلا أن يتساءل: هل نحن ندفع مقابل استهلاكنا، أم أننا نمول شيئًا آخر؟ التعويضات السخية، الاجتماعات المتكررة، السيارات الفاخرة، وتكاليف التنقلات… كلها نفقات يبدو أنها تجد طريقها إلينا عبر الفواتير، وكأن المواطن مطالب بتغطية نفقات مؤسسة كاملة من جيبه، حتى وإن كان بالكاد يؤمّن لقمة العيش.
مع إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات بموجب القانون 21-83، تم الترويج لهذه الخطوة على أنها إصلاح هيكلي كبير، يهدف إلى تحسين جودة الخدمات. الحديث عن التنظيم الإداري الموحد والتواصل المستمر مع المرتفقين يبدو جميلًا في البيانات الرسمية، لكنه على أرض الواقع لم يغير شيئًا سوى الاسم. النتيجة؟ خدمات بنفس المستوى المتدني، فواتير أعلى، وعبء أكبر على المواطنين. ما تغير هو الهيكل الإداري، بينما الجوهر بقي كما هو: مؤسسات تستهلك المال أكثر مما تقدم خدمات ذات جودة.
إذا استمر الوضع بهذا الشكل، فهل سيصبح الماء امتيازًا للأغنياء فقط؟ هل سيأتي يوم يصبح فيه الهواء نفسه سلعة تخضع للتسعيرة؟ الأسئلة كثيرة، لكن المؤكد أن المواطن لم يعد يحتمل المزيد من الضغط، ولم يعد يثق في أي إصلاحات تُسوق على أنها لصالحه بينما جيبه هو الذي يدفع الثمن دائمًا.
في النهاية، لا يهم اسم الشركة، بقدر ما يهم المواطن أمر واحد: خدمات جيدة بأسعار معقولة. فهل هذا كثير على من يكدح يوميًا من أجل لقمة العيش؟