قراءة في تصريحات أوجار بين الخطاب السياسي وحسابات المرحلة

صوت الصحراء: القسم السياسي
عاد النقاش السياسي في المغرب إلى الواجهة بقوة عقب التصريحات التي أطلقها القيادي بحزب التجمع الوطني للأحرار، محمد أوجار، بشأن ما أسماه “الدولة العميقة” وتأثيرها على عمل النخب السياسية، وهي تصريحات اعتبرها كثيرون غير عفوية، ولا يمكن التعامل معها بمعزل عن السياق السياسي والتنظيمي الذي قيلت فيه.
فمن حيث المضمون، يذهب هذا الخطاب إلى التشكيك في قدرة الفاعل السياسي المنتخب على ممارسة صلاحياته كاملة، ويوحي بوجود مراكز قرار موازية تعرقل العمل الحكومي والحزبي. غير أن هذا الطرح، بحسب عدد من المتابعين، يلامس بشكل غير مباشر مؤسسة الولاة والعمال، المرتبطة بوزارة الداخلية، باعتبارها أحد أعمدة الدولة في تدبير الشأن الترابي، وتشتغل ضمن منطق الاستمرارية والمؤسسات، خارج منطق الصراع الحزبي الظرفي.
ويستحضر هذا الجدل، في بعده السياسي، تجربة سابقة عاشها المغرب مع رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران، حين تحدث عن “حكومة بلا حكم”، في إشارة إلى الإكراهات التي واجهها خلال ولايته. آنذاك، قوبلت تلك التصريحات بكثير من السخرية والانتقاد، واعتُبرت محاولة لإلقاء المسؤولية على أطراف أخرى. واليوم، يعود الخطاب نفسه تقريبًا، لكن هذه المرة من داخل حزب قاد الحكومة وأنهى ولايته، ما يطرح علامات استفهام حول خلفياته الحقيقية.
الأهم في هذا النقاش هو توقيت تصريحات أوجار، الذي يتزامن مع مرحلة انتقالية داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، بعد إعلان عزيز أخنوش قراره مغادرة قيادة الحزب. ففي هذا السياق، أودع أوجار ملف ترشيحه لرئاسة الحزب، ليكون أول من يدخل رسميًا سباق الخلافة، في خطوة فتحت شهية أسماء وازنة أخرى داخل الحزب.
وتشير المعطيات المتداولة إلى استعداد كل من محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ونادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، لخوض غمار المنافسة، ما يعكس وجود توازنات دقيقة داخل الحزب، وصراع هادئ حول من سيقود “الحمامة” في المرحلة المقبلة.
ويرى محللون أن خطاب “الدولة العميقة” في هذا الظرف بالذات قد يشكل أداة لإعادة التموضع السياسي، ومحاولة لاستمالة القواعد الحزبية عبر تقديم الذات في موقع “الضحية” أو “الناقد الجريء”، بدل الاكتفاء بخطاب التدبير والحصيلة، خصوصًا بعد انتهاء الولاية الحكومية.
وفي مقابل ذلك، يذهب رأي آخر إلى أن مثل هذه التصريحات، مهما كانت خلفياتها، تساهم في تعقيد النقاش العمومي، وتغذي منسوب الشك لدى الرأي العام حول العمل السياسي والمؤسسات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز الثقة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدًا عن منطق تبادل الاتهامات.
وبين هذا وذاك، يبقى المؤكد أن تصريحات أوجار ليست حدثًا معزولًا، بل جزء من دينامية سياسية وتنظيمية أوسع، تعكس بداية مرحلة جديدة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، وتكشف في الآن نفسه عن التحديات التي ما زالت تواجه الممارسة الحزبية في علاقتها بالدولة والمؤسسات، مع اقتراب استحقاقات سياسية قادمة سيكون لها ما بعدها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد