صوت الصحراء: هيىة التحرير
كيف تتم الصفقات الانتخابية في المغرب؟ ومن يدفع الثمن الحقيقي لهذه الصفقات؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يفتح الباب أمام نقاش عميق حول علاقة المال بالسياسة، وحول موقع المواطن والمنتخب من العملية الانتخابية.
مع كل موسم انتخابي، تعود المشاهد نفسها: مرشحون يستنفرون شبكاتهم، أحزاب تنظم اللقاءات التواصلية، خطب حماسية وشعارات كبيرة، وحشود من المواطنين تُستدعى للتصفيق والاستماع إلى الوعود. ومع اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الصورة والظهور الإعلامي جزءاً أساسياً من المعركة الانتخابية.
لكن خلف هذه الواجهة، يطرح المواطن سؤالاً أكثر واقعية: ماذا سيحصل عليه بعد انتهاء الانتخابات؟
في الشارع، يتحدث كثيرون عن المال الانتخابي وعن محاولات استمالة الناخبين بالهبات والمساعدات والمقابل المالي. وهذه ليست مجرد حكاية عابرة، فالجدل حول المال الانتخابي سبق أن ظهر بقوة في استحقاقات سابقة، فيما تراقب المؤسسات المختصة تمويل الحملات الانتخابية ومصاريفها.
المفارقة أن بعض المواطنين قد يجدون أنفسهم أمام معادلة غير متوازنة: مرشح ينفق الملايين للوصول إلى المؤسسة المنتخبة، بينما لا يحصل الناخب، في أحسن الأحوال، إلا على فتات مؤقت ينتهي بانتهاء يوم الاقتراع.
والسؤال هنا ليس فقط: من فاز بالانتخابات؟
بل: ماذا ربح المواطن؟ وماذا ربحت مدينته أو جماعته أو إقليمه؟
والأخطر أن الحديث عن المال الانتخابي لا يتوقف عند انتخاب أعضاء مجلس النواب، بل يطرح تساؤلات أكبر حول ما يحدث في انتخابات الجماعات الترابية الحضرية والقروية، ومجالس العمالات والأقاليم والجهات، وصولاً إلى مجلس المستشارين.
فهنا تتغير طبيعة المعادلة؛ إذ لا يتعلق الأمر دائماً بشراء صوت المواطن مباشرة، وإنما قد يتعلق، وفق ما يتداوله الشارع السياسي، بمحاولات التأثير في أصوات المنتخبين أنفسهم. منتخب وصل إلى المجلس بأصوات المواطنين، ثم يجد نفسه أمام إغراءات أو تفاهمات أو مصالح مقابل التصويت لهذا المرشح أو ذاك، أو لهذا التحالف أو ذاك.
وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية: إذا كان المواطن قد منح المنتخب صوته ليمثله، فمن يضمن ألا يتحول صوت المنتخب نفسه إلى سلعة سياسية؟
والأمر يصبح أكثر إثارة للجدل عندما يتعلق الأمر بالتصويت على ميزانيات الجماعات والمجالس. فهل يتم التصويت دائماً انطلاقاً من قناعة بالبرنامج والمصلحة العامة، أم أن هناك في بعض الحالات تفاهمات وصفقات انتخابية ومصالح متبادلة تحكم طريقة التصويت؟
كيف يتم التفاوض قبل جلسات التصويت؟ ومن يلتقي بمن؟ وما الذي يقدمه هذا الطرف أو ذاك مقابل الحصول على الأصوات؟ وهل يتحول التصويت على الميزانية، التي يفترض أن تكون وثيقة لخدمة المواطنين وتنمية المنطقة، إلى مناسبة لعقد صفقات سياسية أو حسابات انتخابية؟
هذه أسئلة لا تعني اتهام جميع المنتخبين، ولا يجوز تحويلها إلى أحكام عامة، لكنها أسئلة مشروعة في مجتمع يريد أن يفهم كيف تُدار مؤسساته المنتخبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمال العام وبالقرارات التي تمس حياة المواطنين مباشرة.
لقد تعاقبت الأحزاب على تدبير الشأن العام، وتغيرت الوجوه والشعارات والبرامج، لكن المواطن ما زال يتساءل: هل تغير واقع الجهات والأقاليم والعمالات والجماعات بالسرعة التي تغيرت بها النخب المنتخبة؟
وإذا كان المال هو الذي يفتح الطريق أمام بعض المرشحين، وإذا أصبحت الانتخابات بالنسبة إلى البعض استثماراً سياسياً ينتظر صاحبه عائداً بعد الوصول إلى موقع المسؤولية، فإن الخطر لا يكمن فقط في المال الذي يُدفع أثناء الحملة، وإنما في الثمن الذي قد يؤديه المجتمع بعد الانتخابات.
فالمنتخب الذي يصل إلى المؤسسة العمومية يجب أن ينظر إلى المنصب باعتباره تكليفاً وخدمة للمواطن، لا استثماراً شخصياً. أما المواطن، فلا ينبغي أن يتحول إلى مجرد رقم يُستعمل لرفع نسبة المشاركة يوم الاقتراع ثم يُنسى طوال الولاية الانتخابية.
وإذا كان الناخب يُستمال بالمال، ثم المنتخب يُستمال بدوره بالمال أو بالمصالح، فإننا أمام دائرة مغلقة يصبح فيها المواطن في أسفل السلم، بينما تتقدم شبكات المصالح والوسطاء والسماسرة إلى الواجهة.
المغرب لا يحتاج فقط إلى انتخابات بنسبة مشاركة مرتفعة، بل يحتاج إلى مشاركة واعية، ومنافسة سياسية نزيهة، ونخب منتخبة تقاس نتائجها بما أنجزته لا بعدد السيارات والحشود والولائم واللقاءات.
ويبقى السؤال الأكثر إزعاجاً:
بعد عقود من تعاقب الأحزاب والمنتخبين على المسؤولية، هل أصبح المغرب أكثر تقدماً بسبب هذه الممارسات، أم أن الذي تقدم فعلاً هو ثراء بعض المنتخبين وسماسرة الانتخابات وشبكات المصالح؟
وهل أصبحنا أمام انتخابات يشتري فيها المرشح أصواتاً للوصول، ثم يبحث بعد الوصول عن أصوات منتخبين لضمان تمرير القرارات والميزانيات؟
إنها أسئلة مشروعة لا تستهدف حزباً بعينه، وإنما تستهدف ظاهرة سياسية ومجتمعية تستحق نقاشاً صريحاً ومسؤولاً، لأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الأصوات داخل الصندوق، وإنما بما تتركه تلك الأصوات من أثر حقيقي في حياة المواطن.
فإذا كان صوت المواطن لا يُحترم إلا يوم الاقتراع، وصوت المنتخب يصبح محل تفاوض عند كل تصويت، فأين تبدأ الديمقراطية وأين تنتهي الصفقة؟
تعليقات الزوار