بقع الداخلة ليست منّة سياسية.. فمن يستطيع أصلاً إلغاء توسعة المطار؟

صوت الصحراء

وسط الضجيج الذي رافق ملف البقع المجاورة لمطار الداخلة، حاول أكثر من فاعل سياسي تقديم نفسه للساكنة في صورة «المنقذ»: هذا يشهر وثيقة تثبت تحفظ الجماعة، وذاك ينشر صور اجتماعاته مع مسؤولين بوزارة التعمير، وآخر يتحدث عن تدخلاته لحماية المستفيدين، حتى أصبح إجراء إداري وقانوني عادياً يُقدَّم وكأنه معركة انتزع فيها السياسيون حقوق المواطنين من بين أيدي الدولة.

لكن القانون يقول شيئاً أبسط بكثير.

فالمادة 6 من القانون 12.90 المتعلق بالتعمير تجعل إعداد مخطط توجيه التهيئة العمرانية بمبادرة من الإدارة وبمساهمة الجماعات المعنية. كما تنص المادة 7 على إحالة مشروع المخطط على المجالس الجماعية المعنية لدراسته وتقديم اقتراحاتها، فيما تخضع مراجعة المخطط، وفق المادة 8، للمسطرة نفسها.

بمعنى أوضح: أن تناقش جماعة الداخلة المشروع، وأن تسجل ملاحظاتها وتحفظاتها وترفعها إلى الجهات المختصة، ليس امتيازاً حصلت عليه المدينة، ولا انتصاراً سياسياً استثنائياً. إنها مسطرة قانونية ومؤسساتية عادية، تجري في الداخلة كما تجري في أي جماعة مغربية معنية بوثيقة مماثلة للتعمير.

ومن حق رئيس الجماعة أن يعرض وثيقة تحفظ مجلسه، ومن حق المنتخبين أن يترافعوا دفاعاً عن المواطنين. لكن تحويل ذلك إلى «إنقاذ للبقع» يحتاج إلى قدر كبير من التضخيم السياسي. فالتحفظ لا يجعل رئيس الجماعة مالكاً للمخطط، والصورة مع ممثلي وزارة التعمير لا تنقل اختصاص الوزارة إلى السياسي الذي يقف بجانبهم.

والأهم أن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد.

إذا احتاج مشروع توسعة مطار الداخلةبقع الداخلة ليست منّة سياسية.. فمن يستطيع أصلاً إلغاء توسعة المطار؟ مستقبلاً إلى عقارات تثبت للمواطنين عليها حقوق يحميها القانون، فإن الفصل 35 من الدستور يحمي حق الملكية، ويقرر أن نزعها لا يكون إلا وفق الحالات والإجراءات التي ينص عليها القانون.

ثم يأتي القانون 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة، ليؤطر نزع العقارات والحقوق العينية العقارية للمنفعة العامة ووفق مسطرة قانونية محددة، بما في ذلك تدخل القضاء وتحديد التعويض وفق القواعد القانونية.

وهنا تحديداً تسقط إحدى أبرز أوراق المزايدة السياسية.

فإذا لم تشمل توسعة المطار بقعتك، فلا توجد قضية نزع ملكية أصلاً. وإذا احتاج المشروع إليها وثبت حقك القانوني، فهناك مسطرة قانونية للمنفعة العامة ونزع الملكية والتعويض، بحسب طبيعة الحق وحجيته.

هذا الحق لا يولد لأن رئيس جماعة وقع تحفظاً، ولا لأن رئيس جهة عقد اجتماعاً، ولا لأن سياسيّاً التقط صورة مع مسؤول في وزارة التعمير.

وبطبيعة الحال، تختلف الوضعيات القانونية لأصحاب البقع، ولا يمكن مساواة الرسم العقاري تلقائياً بكل رخصة أو شهادة إدارية؛ فكل حق تُقدَّر حجيته وآثاره وفق طبيعته القانونية. لكن السياسي ليس هو من يقرر تلك الحجية، وليس هو من يمنح التعويض من جيبه، وليس هو من يملك مصادرة الحق أو تثبيته خارج المؤسسات المختصة.

لذلك، فإن الإشكال الحقيقي في هذا الملف لم يعد عمرانيّاً فقط، بل أصبح أيضاً مرتبطاً بطريقة استغلال الخوف سياسياً.

يُصوَّر المواطن أحياناً وكأن ملكيته معلقة بخيط يمسكه منتخب، ثم يظهر المنتخب ليعلن أنه أعاد إليه حقه.

وهذا استخفاف بوعي ساكنة الداخلة، بمثقفيها وأطرها وبسطائها على السواء.

من حق السياسي أن يترافع، بل إن الترافع عن مصالح المواطنين جزء من مسؤوليته. ومن حق رئيس الجماعة تسجيل التحفظات، بل إن ذلك من صميم العمل المؤسساتي. ومن حق رئيس الجهة والبرلمانيين التواصل مع الوزارات والجهات المختصة.

لكن أداء الواجب ليس منّة على المواطن، والإجراء القانوني العادي ليس بطولة انتخابية.

ويبقى السؤال الذي يكشف حقيقة كل هذا الضجيج:

إذا كانت هناك فعلاً توسعة لمطار الداخلة تقررها الدولة ومؤسساتها المختصة باعتبارها مشروعاً للمصلحة العامة، فهل يستطيع رئيس جماعة الداخلة، أو رئيس الجهة، أو أي برلماني أو زعيم سياسي محلي، أن يصدر قراراً بإلغائها؟

الجواب واضح من حيث الاختصاص: لا، ما لم تكن له سلطة قانونية مقررة ضمن المسطرة.

فلماذا يحاول البعض إقناع الساكنة بأنه هو من «أوقف» أو «أنقذ» ما لا يملك أصلاً سلطة تقريره منفرداً؟

أما حماية الحقوق القانونية للمستفيدين، فهي ليست مرتبطة ببقاء رئيس جماعة أو رحيله، ولا باسم رئيس جهة أو حزب سياسي. المؤسسات تتغير، والمنتخبون يتغيرون، لكن القانون يبقى.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر إنصافاً هو:

من أنقذ البقع حقاً: السياسيون، أم أن القانون كان موجوداً قبل صورهم وتصريحاتهم، وسيبقى بعد انتهاء ولاياتهم؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد