صوت الصحراء
في مواسم السياسة والانتخابات، تتغير أشياء كثيرة في حياة الناس؛ تتبدل التحالفات، ترتفع حدة النقاش، ويجد البعض نفسه فجأة في مواجهة أقرب الناس إليه، فقط لأن لكل واحد منهم موقفاً سياسياً مختلفاً.
لكن قبل أن تنحاز إلى حزب أو مرشح أو تيار، تذكّر أن السياسة مرحلة، بينما الأخوة والصداقة والجيرة والعِشرة روابط قد تمتد لعقود.
لا تجعل صندوق الاقتراع يتحول إلى صندوق للخصومات، ولا تجعل الاختلاف في التصويت سبباً لقطيعة عائلية أو عداوة بين الأصدقاء. فالمرشح الذي تدافع عنه اليوم قد يتحالف غداً مع من كنت تختلف معه بسببه، والحزب الذي كنت تعتبره خصماً قد يصبح شريكاً، والسياسيون الذين تصدرت صورهم منشوراتك وامتلأت النقاشات بأسمائهم قد يجلسون في نهاية المطاف إلى طاولة واحدة، يتصافحون ويتبادلون الابتسامات، بينما يبقى بعض المواطنين أسرى لكلمات جارحة قيلت في لحظة انفعال.
هذه هي المفارقة التي ينبغي أن نتوقف عندها.
السياسة ليست دائماً كما تبدو أمام الجمهور. ما يصل إلى المواطن هو جزء من المشهد، بينما تُصنع كثير من الحسابات والتفاهمات والتحالفات بعيداً عن الأضواء. وقد يكتشف المتحمس بعد سنوات أنه خسر صديقاً أو قريباً من أجل معركة لم يكن يعرف كل تفاصيلها أصلاً.
لذلك، لا تجعل ولاءك السياسي يتجاوز حدود العقل، ولا تمنح السياسي مكانة أكبر من مكانة الإنسان الذي وقف إلى جانبك في ظروفك الصعبة. الزعيم قد لا يعرف اسمك، والحزب قد لا يشعر بغيابك، والمرشح قد ينسى من دافع عنه بمجرد انتهاء الانتخابات، لكن أخاك سيظل أخاك، وصديقك الذي عرفته في الشدة سيظل يحمل لك تاريخاً من الذكريات والمواقف.
وقد صدق المعنى المنسوب إلى الأديب الفرنسي بول فاليري حين قال إن الحروب قد تقع بين أناس لا يعرف بعضهم بعضاً من أجل أناس يعرف بعضهم بعضاً، لكنهم لا يقتتلون. وهي صورة تصلح أيضاً لوصف كثير من الصراعات السياسية والإعلامية التي نعيشها اليوم؛ أناس يتخاصمون في الشوارع ومواقع التواصل، بينما أصحاب القرار قادرون في لحظة معينة على تغيير مواقفهم والجلوس معاً.
وتروي شهادات كثيرة عن الحروب الأهلية والصراعات السياسية في مناطق مختلفة من العالم أن قادة الخصوم قد تكون بينهم قنوات تواصل وتفاهم، في الوقت الذي يدفع فيه المواطنون العاديون ثمن الاستقطاب والعداء. وقد تختلف الروايات والتفاصيل، لكن العبرة واحدة:
ليس كل من يشعل الخصومة يدفع ثمنها، وليس كل من يطلب منك التضحية من أجل معركة سياسية مستعداً لأن يخسر من أجلها ما ستخسره أنت.
ولهذا، فإن الحكمة ليست في أن تتخلى عن قناعاتك، ولا أن تكون بلا موقف سياسي، وإنما في أن تعرف كيف تختلف دون أن تتحول إلى خصم شخصي.
قل: أختلف معك، ولا تقل: أكرهك.
ناقش الفكرة، ولا تهين صاحبها.
انتقد الموقف، ولا تحطم الإنسان.
دافع عن اختيارك، ولا تشوه من اختار غيرك.
فالاختلاف السياسي حق، أما تحويل الاختلاف إلى حقد وقطيعة فهو خسارة لا علاقة لها بالديمقراطية.
ومن أجمل ما يُروى عن بهلول قوله:
“رأيتُ الحربَ يُوقدها أناسٌ
ويشقى بها قومٌ آخرونا”
والمعنى يتجاوز الحرب بمعناها العسكري إلى كل صراع يدفع إليه أصحاب النفوذ، ثم يتحمل نتائجه البسطاء.
كم من عائلة انقسمت بسبب الانتخابات، وكم من إخوة أصبحوا لا يتحدثون بسبب مرشح، وكم من أصدقاء افترقوا لأن أحدهم اختار حزباً واختار الآخر حزباً منافساً!
وبعد انتهاء الاستحقاق، ينتهي كل شيء تقريباً: تُعلن النتائج، وتتغير الحسابات، ويبدأ السياسيون في البحث عن تحالفات جديدة، وقد يجلس المتنافسون بالأمس جنباً إلى جنب. أما العلاقات التي تحطمت في القاعدة الاجتماعية فلا تُرمم دائماً بسهولة.
السياسة لا تستحق أن تخسر بسببها أمك رضاك، ولا أخاك قربك، ولا صديقك مودتك، ولا جارك حسن معاملتك.
ولا تجعل الانتخابات اختباراً لمن تحب ومن تكره. اترك للناس حقهم في الاختيار، كما تريد أن يُترك لك حقك في الاختيار.
إن النضج السياسي الحقيقي لا يقاس بعدد الخصوم الذين صنعتهم، ولا بعدد المنشورات التي كتبتها، ولا بحدة ردودك على المخالفين، وإنما بقدرتك على الاحتفاظ بإنسانيتك وأنت تمارس حقك في الاختلاف.
فمن السهل أن تكون غاضباً خلف شاشة، ومن السهل أن تكتب كلمة جارحة في لحظة حماس، لكن الأصعب أن تتذكر بعد سنوات أن تلك الكلمة ربما كانت سبباً في جرح إنسان لم تكن تستحق السياسة أن تخسره.
تذكّر دائماً أن السياسيين يتغيرون، والبرامج تتبدل، والتحالفات يعاد تشكيلها، والخصومات السياسية لها نهاية، أما آثار القطيعة فقد تبقى سنوات طويلة.
قد يتغير رأيك يوماً، وقد يغير السياسي الذي دافعت عنه موقفه، وقد يختفي الحزب الذي تعصبت له من المشهد، وقد يصبح خصم الأمس حليف اليوم.
لكن الإنسان الذي خسرته في الطريق لن يكون من السهل استعادته.
فلا تجعل السياسة تأخذ منك من لا تعوضه السياسة.
اختلف في المواقف، وتنافس في الأفكار، واختر من تشاء، وادعم من ترى أنه يستحق دعمك، لكن اترك باب المحبة مفتوحاً.
فالانتخابات تنتهي، والمهرجانات تنتهي، واللافتات تُنزع، والمنشورات تختفي، والنتائج تُعلن، ثم تعود الحياة إلى طبيعتها.
وعندما تهدأ ضوضاء السياسة، لن يبقى حولك إلا الناس الذين أحببتهم وأحبوك.
فاختر معاركك بعناية، ولا تخسر إنساناً من أجل معركة قد لا يتذكرها أحد بعد سنوات.
السياسة مواقف تتغير، أما صلة الرحم والصداقة والوفاء فقيَم لا ينبغي أن تتغير بتغير نتائج الانتخابات.