حديث الساعة من كواليس مغلقة إلى مواجهة مفتوحة.. تسجيل الطالبي العلمي يعرّي صراع النفوذ بين الأحرار والبام

صوت الصحراء

من “الترحال السياسي” إلى معركة وزارة المالية.. كيف تحولت خلافات مكونات الأغلبية الحكومية إلى مواجهة علنية قبيل الانتخابات؟ وهل أصبح الصراع الحزبي في المغرب أقرب إلى صراع على المواقع والنفوذ منه إلى تنافس حول البرامج والسياسات؟

لم يعد الخلاف بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة مجرد تباين عابر بين مكونين في الأغلبية الحكومية. فالتطورات المتسارعة خلال الأيام الأخيرة، وصولاً إلى تسريب تسجيل منسوب إلى رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب الأحرار رشيد الطالبي العلمي، أخرجت إلى العلن ما كان يجري في الكواليس، وكشفت عن عمق التنافس بين الحزبين، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية.

التسجيل، الذي جرى تداوله على نطاق واسع، لم يكتف بانتقاد انتقال عدد من المنتخبين من الأحرار إلى البام، بل تضمن، وفق ما نقلته عدة منابر إعلامية، إشارات مباشرة إلى فوزي لقجع وإلى موقعه المحتمل داخل الحكومة المقبلة، بما في ذلك الحديث عن وزارة الاقتصاد والمالية.

وبذلك، انتقل النقاش من سؤال “من ينتقل من حزب إلى آخر؟” إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك حق رسم خريطة النفوذ داخل الأغلبية المقبلة؟

من خلاف داخل الأغلبية إلى حرب مفتوحة

كان يفترض أن يجمع التحالف الحكومي بين مكونات متعاونة في مواجهة المعارضة وتنفيذ البرنامج الحكومي. لكن اقتراب موعد الانتخابات أعاد ترتيب الحسابات.

فالأحرار، الذي يقود الحكومة، والأصالة والمعاصرة، الذي يشكل أحد مكوناتها الأساسية، دخلا عملياً مرحلة المنافسة الانتخابية المباشرة. ومع انتقال عدد من المنتخبين والمرشحين بين الحزبين، أصبح الصراع لا يدور فقط حول البرامج، وإنما أيضاً حول الخريطة البشرية والانتخابية التي ستحدد موازين القوى بعد الاقتراع.

في هذا السياق، جاء بلاغ حزب التجمع الوطني للأحرار ليصعّد اللهجة، متحدثاً عن “استمالات وضغوط” تعرض لها عدد من المنتخبين والبرلمانيين والمسؤولين الحزبيين، ومعتبراً أن هذه الممارسات تتعارض مع قواعد التنافس السياسي السليم.

ورغم أن البلاغ لم يجعل من البام اسماً مركزياً في كل عباراته، فإن سياق الأحداث جعل الرسالة واضحة: الحليف الحكومي تحول إلى منافس انتخابي مباشر.

تسجيل الطالبي العلمي.. ما الذي كشفه؟

أهمية التسجيل لا تكمن فقط في العبارات التي وردت فيه، وإنما في المكان الذي قيلت فيه: اجتماع مغلق للمكتب السياسي لحزب الأحرار.

فالسياسيون، في اجتماعاتهم الداخلية، يتحدثون عادة بلغة أكثر صراحة من الخطاب الموجه للرأي العام. لكن عندما يخرج هذا النقاش إلى العلن، تصبح الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الداخلية موضوعاً للمساءلة.

المضمون المتداول للتسجيل يتضمن انتقادات لانتقال منتخبين من الأحرار إلى البام، وتساؤلات حول دوافع هذه الانتقالات، مع انتقادات مباشرة لما اعتبره الطالبي العلمي نوعاً من التعامل مع السياسيين بمنطق “الانتقالات” كما يحدث في المجال الرياضي.

غير أن النقطة الأكثر حساسية تتعلق بفوزي لقجع.

فالتسجيل، بحسب ما أوردته عدة منابر، يتضمن حديثاً عن مستقبل لقجع داخل الحكومة المقبلة، وعن عدم حصوله على وزارة الاقتصاد والمالية في حال استمرار الأحرار في قيادة الحكومة.

وهنا تتغير طبيعة القضية بالكامل.

فلم يعد الحديث فقط عن “الترحال السياسي”، بل عن صراع محتمل حول واحدة من أهم الوزارات في الدولة.

لقجع يدخل قلب الصراع

منذ دخوله المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أصبح فوزي لقجع أحد أكثر الأسماء إثارة للنقاش داخل المشهد السياسي المغربي.

لقجع ليس سياسياً حزبياً تقليدياً. فهو وزير مكلف بالميزانية، ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وشخصية تحظى بحضور واسع في المجال الرياضي والاقتصادي.

لذلك، فإن دخوله إلى المكتب السياسي للبام حمل دلالات تتجاوز مجرد الانضمام التنظيمي.

لقجع نفسه حاول، في تصريحات سابقة، أن ينفي أن يكون دخوله إلى السياسة مرتبطاً بالبحث عن منصب، مؤكداً أن مشاركته السياسية تأتي في إطار ممارسة حقه الدستوري والمساهمة في خدمة المواطنين.

لكن التسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي أعاد وضع الرجل في قلب معادلة مختلفة: معادلة النفوذ داخل الحكومة المقبلة.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح.

في الخطاب العلني، الحديث عن البرامج والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والتنمية.

وفي الكواليس، وفق ما يكشفه التسجيل، الحديث عن الأشخاص والحقائب ومواقع القوة.

هل المشكلة فعلاً هي “الترحال السياسي”؟

هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه.

فالترحال السياسي ظاهرة قديمة في المغرب، ولم تبدأ مع الانتخابات الحالية، كما أن انتقال السياسيين بين الأحزاب لم يكن حكراً على حزب بعينه.

لذلك، فإن تقديم الأزمة الحالية باعتبارها مجرد معركة من أجل “تخليق الحياة السياسية” يبدو غير كافٍ.

السؤال الحقيقي هو: لماذا أصبح انتقال المنتخبين قضية أخلاقية عندما ينتقلون من حزب إلى آخر، بينما كان استقطاب الأعيان والمنتخبين جزءاً من الممارسة الانتخابية لدى معظم الأحزاب خلال عقود؟

الجواب ربما يوجد في طبيعة المرحلة الحالية.

فالمنافسة هذه المرة ليست بين أغلبية ومعارضة فقط، وإنما داخل الأغلبية نفسها.

والمنتخب الذي ينتقل من حزب إلى آخر لا يغير فقط لونه السياسي؛ إنه قد يغير موازين القوى الانتخابية، وبالتالي حجم كل حزب داخل البرلمان والحكومة المقبلة.

الأحرار يرفع السقف

بلاغ التجمع الوطني للأحرار شكل أول رد سياسي مؤسساتي على ما يجري.

الحزب تحدث عن ممارسات اعتبرها غير مقبولة، وعن استمالات وضغوط، وربط ذلك بأخلاقيات العمل السياسي والتنافس الديمقراطي.

لكن اللافت أن قيادة الحزب لم تجعل التسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي محور ردها الأساسي.

محمد شوكي، رئيس الحزب، ركز على مسألة تسريب اجتماع داخلي، مؤكداً أن المكتب السياسي فضاء للنقاش الحر وتبادل وجهات النظر، وأن إخراج النقاش من سياقه أو تحويره أمر غير مقبول، مع الإشارة إلى إمكانية اللجوء إلى القضاء.

وهذه الرسالة تحمل دلالة سياسية مهمة.

فالحزب لم يدخل في مواجهة مباشرة مع كل مضمون التسجيل، بقدر ما ركز على كيفية وصوله إلى الرأي العام.

البام.. بين الصمت والاتهام

في المقابل، وجد حزب الأصالةمن كواليس مغلقة إلى مواجهة مفتوحة.. تسجيل الطالبي العلمي يعرّي صراع النفوذ بين الأحرار والبام والمعاصرة نفسه في وضع سياسي مريح من جهة وصعب من جهة أخرى.

مريح، لأن التسجيل وضع الأحرار في موقف دفاعي وكشف حجم القلق داخل الحزب من تمدد البام.

وصعب، لأن الاتهامات المتعلقة باستقطاب المنتخبين تضع الحزب أمام سؤال أخلاقي وسياسي: هل يتعلق الأمر بانتقالات سياسية طبيعية، أم بعملية ممنهجة لإعادة تشكيل الخريطة الانتخابية؟

وبين رواية الأحرار وروايات بعض المنتخبين الذين غادروا الحزب، توجد روايات متناقضة.

فبينما يتحدث الأحرار عن الاستمالة والضغط، يقول بعض المغادرين إن قراراتهم جاءت نتيجة تراكمات تنظيمية وسياسية ومشاكل مرتبطة بتمثيل مناطقهم.

وهنا لا يمكن، مهنياً، اعتبار إحدى الروايتين حقيقة نهائية دون أدلة مستقلة.

صراع على المنتخبين أم صراع على المستقبل؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية.

فالانتخابات المقبلة لا تعني فقط الفوز بمقاعد البرلمان.

إنها ستحدد:

– الحزب الذي سيحتل المرتبة الأولى؛
– من سيقود الحكومة؛
– وزن كل حزب داخل الأغلبية؛
– طبيعة التحالفات المقبلة؛
– والأسماء التي ستصبح مرشحة لشغل المناصب الوزارية الأساسية.

لهذا، فإن المعركة على المنتخبين اليوم هي في جزء منها معركة على الحكومة المقبلة.

وهذا ما يجعل الصراع بين الأحرار والبام أكثر خطورة من مجرد خلاف انتخابي عادي.

المفارقة الكبرى: الحكومة تتنافس مع نفسها

المشهد الحالي يحمل مفارقة سياسية لافتة.

الأحرار والبام حليفان في الحكومة الحالية، لكنهما في الوقت نفسه خصمان في الانتخابات المقبلة.

وهذا يخلق وضعاً غير مسبوق في حدته: وزراء ومسؤولون يعملون داخل حكومة واحدة، بينما أحزابهم تتنافس على من سيحصل على المرتبة الأولى ومن سيملك القوة الأكبر بعد الانتخابات.

ومن الطبيعي في مثل هذا الوضع أن تنتقل المنافسة من المؤسسات إلى التنظيمات الحزبية، ثم إلى المنتخبين والمرشحين.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول المنافسة إلى صراع على الأشخاص والمواقع بدل أن تكون صراعاً على البرامج.

أين المواطن من كل هذا؟

هنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالمواطن المغربي لا يعيش أزمة “وزارة المالية” كعنوان مجرد.

إنه يعيش أسعار المواد الأساسية، والبطالة، وأزمة السكن، ومشاكل الصحة والتعليم، وفوارق التنمية بين الجهات، وتعقيدات الإدارة، وضعف الثقة في المؤسسات السياسية.

وكان يفترض أن تكون هذه الملفات هي قلب النقاش الانتخابي.

لكن المشهد الذي تفرضه التسريبات والتراشقات الحزبية يعطي انطباعاً مختلفاً.

المواطن يسمع عن انتقال هذا المنتخب إلى ذاك الحزب، وعن مرشح هنا ومرشح هناك، وعن ترتيب الأحزاب، وعن وزارة المالية ومن سيحصل عليها.

وفي المقابل، يبقى السؤال الأساسي معلقاً:

ما المشروع الذي سيغير حياة المواطن؟

من السياسة إلى “سوق الانتقالات”

ربما كانت العبارة الأكثر دلالة في التسجيل هي تشبيه انتقال السياسيين بانتقالات لاعبي كرة القدم.

فالمشهد الانتخابي المغربي أصبح، في نظر كثير من المتابعين، يشبه سوقاً مفتوحة للاستقطاب.

منتخب يغير الحزب.

مرشح ينتقل إلى حزب منافس.

قيادي يدخل مكتباً سياسياً.

حزب يحاول حماية شبكته الانتخابية.

وحزب آخر يسعى إلى توسيعها.

لكن السياسة ليست كرة القدم.

فالمنتخب السياسي لا يمثل نفسه فقط؛ إنه يفترض أن يمثل المواطنين الذين منحوه أصواتهم.

وعندما يصبح الانتماء الحزبي قابلاً للتغيير بهذه السهولة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا يبقى من الاختيار الديمقراطي للناخب؟

هل وصل المشهد السياسي إلى “مستوى منحط”؟

الوصف قاسٍ، لكنه يعكس إحساساً متزايداً لدى جزء من الرأي العام.

غير أن المشكلة ليست في وجود الصراع.

الصراع السياسي طبيعي، بل ضروري في الديمقراطية.

المشكلة تبدأ عندما تصبح السياسة مجرد منافسة على من يملك النفوذ، ومن يملك المنتخبين، ومن سيحصل على الوزارة، ومن سيقود الحكومة.

في هذه الحالة تتحول الديمقراطية من تنافس بين مشاريع إلى تنافس بين شبكات.

وتتحول الأحزاب من مدارس سياسية إلى آلات انتخابية.

ويتحول المنتخب من حامل لمشروع إلى ورقة تفاوض.

وهنا تحديداً يمكن الحديث عن انحدار في الممارسة السياسية، لا بمعنى أن كل السياسيين فاسدون أو أن كل الانتقالات مشبوهة، وإنما بمعنى أن صورة السياسة التي تصل إلى المواطن أصبحت تختزل أكثر فأكثر في الصراع على المواقع.

أخطر ما كشفه التسجيل

قد لا يكون أخطر ما في التسجيل هو الهجوم على لقجع.

وقد لا يكون حتى موضوع انتقال المنتخبين.

الأخطر هو أن التسجيل أعطى الجمهور لمحة عن ما يدور خلف الستار.

فإذا كانت الانتخابات لم تُجر بعد، وإذا كان المواطن لم يقل كلمته بعد، فلماذا بدأ السياسيون يتحدثون عن شكل الحكومة المقبلة ووزرائها؟

صحيح أن الحديث الداخلي عن السيناريوهات السياسية أمر طبيعي.

لكن عندما يصبح هذا الحديث علنياً، فإن الرسالة التي تصل إلى الناخب خطيرة:

هل الانتخابات هي التي ستقرر شكل الحكومة، أم أن الأحزاب ومراكز النفوذ بدأت مسبقاً في رسم الخريطة؟

من “الأغلبية الحكومية” إلى “أغلبية متنافسة”

الأزمة الحالية تكشف أيضاً حدود مفهوم الأغلبية الحكومية.

فالأحرار والبام والاستقلال استطاعوا تشكيل أغلبية بعد انتخابات 2021.

لكن التحالف الحكومي لا يعني بالضرورة وجود وحدة سياسية أو أيديولوجية بين هذه الأحزاب.

ومع اقتراب الانتخابات، يعود كل حزب إلى منطقه الأصلي: البحث عن أكبر عدد من المقاعد.

وهكذا تحولت الأغلبية إلى نوع من المعادلة المتناقضة:

حلفاء في الحكومة، وخصوم في الانتخابات، ومتنافسون على الحكومة المقبلة.

وهذه هي الأرضية التي جعلت الخلاف الحالي ينفجر بهذه السرعة.

الخلاصة: التسجيل لم يصنع الأزمة.. بل كشفها

التسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي لم يصنع الخلاف بين الأحرار والبام.

الخلاف كان موجوداً قبل التسريب.

لكن التسجيل فعل شيئاً أكثر أهمية: نقل الصراع من الكواليس إلى المجال العام.

أظهر أن المنافسة بين الحزبين أصبحت حادة، وأن قضية المنتخبين والمرشحين ليست تفصيلاً انتخابياً، وأن فوزي لقجع أصبح جزءاً من معادلة الصراع على النفوذ، وأن الحديث عن الحكومة المقبلة بدأ قبل معرفة نتائج الانتخابات.

وفي النهاية، لا ينبغي اختزال القضية في شخص الطالبي العلمي أو فوزي لقجع.

القضية أكبر من الرجلين.

إنها تتعلق بسؤال جوهري حول مستقبل السياسة المغربية:

هل ستظل الانتخابات مناسبة لتقديم برامج ومشاريع وحلول للمواطنين، أم ستتحول أكثر فأكثر إلى سوق للمرشحين والمنتخبين ومسابقة على النفوذ والمناصب؟

إذا كان المواطن يسمع قبل الانتخابات عن “من سيأخذ ماذا”، أكثر مما يسمع عن “ماذا سنفعل”، فإن الأزمة لا تكون أزمة حزب واحد.

إنها أزمة ثقة في السياسة نفسها.

وهنا تكمن خطورة ما كشفته كواليس الأحرار: ليس لأن السياسيين يتصارعون، وإنما لأن الصراع الذي ظهر إلى العلن يبدو، في جزء كبير منه، صراعاً على من يملك مفاتيح السلطة، بينما ينتظر المواطن أن يعرف أولاً ماذا سيفعل من سيحصل عليها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد