الحكومة والمعارضة تحت قبة البرلمان: أزمة خطاب أم أزمة نخب؟

صوت  الصحراء:القسم السياسي
بدل أن أتابع جلسة برلمانية تناقش البرنامج الحكومي وتقيّم السياسات العمومية قطاعًا بقطاع، وجدتني أمام مشهد يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف انتقل النقاش السياسي من مناقشة الأفكار والبرامج إلى تبادل الاتهامات والمزايدات؟

المشكلة ليست في اختلاف الأغلبية والمعارضة، فالاختلاف أساس الديمقراطية، بل في تحوّل هذا الاختلاف أحيانًا من تنافس في البرامج والحجج إلى صراع على الميكروفون، بينما ينتظر المواطن أجوبة عن التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية وحصيلة التدبير الحكومي.

ولعل المقارنة بين بعض تجارب الأمس واليوم تساعدنا على فهم التحول. فاستحضار فتح الله ولعلو، بما جمعه من تكوين أكاديمي وخبرة اقتصادية ومسؤولية سياسية، ومحمد بنسعيد آيت إيدر، بما مثله مساره من معارضة سياسية ومواقف مرتبطة بقضايا الحقوق والحريات، ثم رضا أكديرة الذي ارتبط اسمه بمرحلة مختلفة من بناء مؤسسات الدولة، ليس دعوة إلى تمجيد الماضي أو إنكار إخفاقاته، بل إلى التأمل في طبيعة النخب وأدوارها، وفي العلاقة بين التكوين الفكري والمسؤولية السياسية.

لقد عرفت التجارب السابقة بدورها صراعات واختلالات، كما لا يخلو الحاضر من كفاءات جادة. لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل ما زالت الأحزاب تنتج نخبًا قادرة على بناء التصورات وصياغة البدائل والدفاع عنها بالحجة، أم أصبح التدبير الانتخابي والصراع الحزبي يطغيان أحيانًا على التكوين والكفاءة؟

فالنائب ليس مجرد متحدث باسم حزبه، بل مشرّع ومراقب للعمل الحكومي وممثل للمواطنين. وقوة المعارضة في البدائل التي تقدمها، وقوة الأغلبية في قدرتها على الدفاع عن حصيلتها بالأرقام والنتائج، لا في حدة الخطاب وتبادل الاتهامات.

وحين يعجز النقاش السياسي عن إقناع المواطن بجدوى المؤسسات، يصبح العزوف وفقدان الثقة سؤالًا ينبغي أن تواجهه الأحزاب قبل أن تلقي بمسؤوليته على المجتمع.

إننا اليوم بحاجة إلى بناء النخب، لا مجرد تجديد الوجوه؛ وإلى استعادة قيمة الفكرة، لا استنساخ الماضي. نحتاج إلى سياسيين يجمعون بين المعرفة والكفاءة وأخلاقيات الاختلاف، ويجعلون من البرلمان فضاءً للتشريع والمساءلة، لا مسرحًا للخصومات.

فالسياسة لا تُقاس بعلو الصوت، بل بعمق الفكرة؛ ولا بقسوة الرد، بل بقوة الحجة؛ ولا بعدد الخصوم الذين يُحرَجون، بل بحجم القضايا التي تُحلّ والثقة التي تُبنى.

فأزمة السياسة ليست فقط أزمة خطاب، بل أزمة إنتاج نخب قادرة على تحويل الاختلاف إلى مشروع، والمسؤولية إلى نتائج، والديمقراطية إلى ثقة متجددة بين المواطن والمؤسسات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد