قبل الوصول إلى البرلمان.. لا تقدموا للناخبين وعوداً خارج اختصاصاتكم

صوت الصحراء : القسم السياسي

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتجدد النقاشات حول طبيعة الخطاب الذي يقدمه المرشحون للناخبين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالوعود المرتبطة بالمشاريع المحلية والتنمية والقرب، وهي ملفات يطرح بشأنها سؤال جوهري حول مدى ارتباطها فعلاً بالاختصاصات الدستورية للبرلماني.

وفي هذا السياق، يبرز نداء إلى المترشحات والمترشحين للبرلمان من أجل التحلي بالوضوح والمسؤولية السياسية، وتقديم برامج انتخابية تنسجم مع طبيعة المهمة البرلمانية والاختصاصات التي يحددها الدستور.

فالفصل 70 من الدستور المغربي ينص على أن البرلمان يمارس السلطة التشريعية، ويصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية.

وبالتالي، فإن الدور الأساسي للبرلماني يرتبط بالتشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، ويمارس هذه الاختصاصات على امتداد التراب الوطني، دون أن تكون مهمته مرتبطة حصراً بمدينة أو جماعة أو منطقة انتخابية بعينها.

ويبرز هنا الفرق بين البرلماني والمنتخب المحلي، إذ إن مجالس الجماعات والمجالس الترابية تضطلع باختصاصات مرتبطة بتدبير الشأن المحلي، وبرامج التنمية، ومشاريع القرب، وإنجاز عدد من المرافق والتجهيزات التي ترتبط مباشرة بحياة السكان اليومية.

أما البرلماني، فوظيفته الأساسية تتمثل في ممارسة السلطة التشريعية، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، إلى جانب الدفاع عن القضايا التي تهم المواطنين من خلال الآليات الدستورية والبرلمانية المتاحة.

ومن ثم، فإن تقديم وعود من قبيل تعبيد الطرق، وإصلاح الأزقة، وبناء الملاعب والأسواق والمرافق العمومية، أو إنجاز مشاريع محلية محددة، باعتبارها التزامات مباشرة للمرشح البرلماني، قد يخلق لدى الناخب انطباعاً بأن البرلماني يمتلك صلاحيات تنفيذية وترابية ليست من اختصاصه المباشر.

ولا يعني ذلك أن البرلماني لا يمكنه الدفاع عن قضايا دائرته الانتخابية أو طرح مشاكلها أمام الحكومة، بل على العكس، فإن من صميم العمل البرلماني مساءلة الوزراء، وطرح الأسئلة، وتقديم المقترحات، والمساهمة في التشريع، والدفع نحو معالجة الاختلالات التي تعاني منها مختلف المناطق.

غير أن هناك فرقاً واضحاً بين الدفاع عن مشروع أو قضية محلية داخل المؤسسة التشريعية وبين امتلاك صلاحية تنفيذ ذلك المشروع.

وهنا تكمن أهمية أن يكون الخطاب الانتخابي قائماً على الوضوح، حتى لا تتحول الحملة الانتخابية إلى مناسبة لتقديم وعود تتجاوز الاختصاصات الدستورية للمؤسسة التي يسعى المرشح إلى تمثيل المواطنين داخلها.

وتأتي هذه الدعوة من منطلق الرغبة في تعزيز الثقة بين الناخب والمرشح، وتفادي حالة الالتباس التي قد تنتج عن وعود انتخابية لا ترتبط مباشرة بالاختصاصات البرلمانية أو لا تجد طريقها إلى التنفيذ بعد انتهاء الانتخابات.

فالناخب لا يحتاج بالضرورة إلى مرشح يعده بكل شيء، وإنما إلى مرشح يعرف بدقة حدود صلاحياته ويشرح للمواطن ما يستطيع القيام به وما يدخل ضمن اختصاص جهات أخرى.

فأن يقول المرشح للناخب: سأدافع عن قضيتك داخل البرلمان، وسأراقب الحكومة، وسأساهم في التشريع، وسأطرح مشاكل منطقتك على المسؤولين، أكثر انسجاماً مع طبيعة المهمة البرلمانية من تقديم نفسه وكأنه رئيس جماعة أو مجلس ترابي يمتلك سلطة تنفيذ مختلف مشاريع القرب.

ومع اقتراب موعد الانتخابات، سيكون الخطاب الانتخابي أمام امتحان حقيقي للمصداقية، خصوصاً في ظل ارتفاع سقف انتظارات المواطنين وتزايد الحاجة إلى برامج واقعية وقابلة للنقاش.

فالانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد منافسة للوصول إلى المقاعد، وإنما محطة لاختيار ممثلين داخل مؤسسة دستورية لها اختصاصات محددة.

ومن هذا المنطلق، فإن احترام الناخب يبدأ من احترام عقله وحقه في معرفة حقيقة الاختصاصات.

أما تقديم وعود لا تدخل ضمن الاختصاصات المباشرة للبرلماني، ثم تسويقها على أنها التزامات انتخابية، فيبقى محل نقاش حول مدى انسجامها مع طبيعة المهمة البرلمانية، وما إذا كانت تعكس برنامجاً سياسياً وتشريعياً واضحاً أم مجرد انتظارات محلية يتم تحميلها للمترشح.

وفي نهاية المطاف، فإن الرسالة التي يفرضها هذا النقاش بسيطة وواضحة: المواطن يحتاج إلى برلماني يعرف اختصاصاته ويمارسها بفعالية، ويدافع عن قضايا المواطنين من داخل المؤسسة التشريعية، دون خلط بين المسؤوليات البرلمانية والاختصاصات المحلية.

فالبرلماني هو من يشرّع، ويراقب الحكومة، ويقيم السياسات العمومية، ويدافع عن مصالح المواطنين من داخل المؤسسة التشريعية، مع إمكانية طرح القضايا المحلية أمام الحكومة والجهات المعنية، دون تقديم صلاحيات ليست من اختصاصه على أنها التزامات مباشرة.

وفي النهاية، تبقى المسؤولية مشتركة بين المرشح والناخب: الأول مطالب بالوضوح وتقديم برنامج منسجم مع اختصاصاته، والثاني مطالب بقراءة البرامج والتمييز بين الاختصاصات، حتى تكون العملية الانتخابية قائمة على الوعي والاختيار المسؤول.

والرسالة التي ينبغي أن تسبق كل حملة انتخابية يمكن اختصارها في عبارة واحدة:

“قدموا للناخبين ما تستطيعون القيام به، واشرحوا لهم حدود اختصاصاتكم، لأن احترام الناخب يبدأ من احترام حقه في معرفة الحقيقة.”

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا