بقلم :محمد الحبيب هويدي
لم تعد الأزمة في الصحراء، كما في غيرها من جهات المغرب، أزمة برامج انتخابية أو شعارات حزبية، بل أصبحت في نظر كثير من المواطنين أزمة ثقة في جزء من النخب التي تتصدر المشهد السياسي والاقتصادي منذ سنوات.
فمع كل استحقاق انتخابي، تعود الوعود نفسها، وتتكرر الخطابات ذاتها، بينما يبقى المواطن البسيط ينتظر تحسنًا ينعكس على معيشه اليومي. وبينما تتعاقب الولايات الانتخابية، يزداد شعور لدى فئات واسعة بأن ثمار التنمية لا تصل إلى الجميع بالقدر نفسه.
وفي الأقاليم الجنوبية، تثار باستمرار تساؤلات حول العلاقة بين النفوذ السياسي والامتيازات الاقتصادية، وحول مدى تكافؤ الفرص في الولوج إلى العقار والاستثمار والصفقات والأنشطة المدعومة. وهي تساؤلات لا تستهدف أشخاصًا أو هيئات بعينها، وإنما تعكس نقاشًا عامًا يتردد في الأوساط الشعبية والسياسية حول ضرورة ترسيخ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما يلاحظ كثير من المواطنين أن بعض الفاعلين السياسيين والاقتصاديين يوسعون استثماراتهم بشكل ملحوظ خلال مسيرتهم في تدبير الشأن العام، في حين تبقى أوضاع فئات واسعة من المجتمع على حالها، بل تزداد صعوبة بفعل غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الحياة. وهذه الملاحظة تدفع إلى المطالبة بمزيد من الشفافية في تدبير المال العام والامتيازات العمومية، وليس إلى إصدار أحكام مسبقة على أي طرف.
وفي المقابل، يواصل المواطن البسيط البحث عن فرصة عمل، أو سكن لائق، أو تعليم جيد لأبنائه، أو علاج يحفظ كرامته. أما الفئات الميسورة، فيلجأ كثير منها إلى التعليم الخاص أو الدراسة بالخارج، وإلى العلاج في الخارج، وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا حول مدى الثقة في جودة الخدمات العمومية التي يحتاج إليها أغلب المغاربة.
إن المشكلة ليست في وجود رجال أعمال ناجحين أو مستثمرين حققوا ثرواتهم بطرق مشروعة، فذلك أمر طبيعي ومطلوب لأي اقتصاد. لكن الإشكال يبرز عندما يتولد لدى الرأي العام انطباع بأن النفوذ السياسي قد يفتح أبوابًا لا تكون متاحة بالقدر نفسه لباقي المواطنين. وهنا تصبح الشفافية والمنافسة العادلة ضرورة لحماية الثقة في المؤسسات.
لقد آن الأوان لأن تعود السياسة إلى معناها الحقيقي: خدمة المواطن، لا البحث عن الامتيازات. فالأحزاب مطالبة بتجديد نخبها، وإفساح المجال أمام الكفاءات، وتعزيز ثقافة المسؤولية والمحاسبة، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج الوجوه نفسها في كل محطة انتخابية.
إن الصحراء، بما تزخر به من إمكانات اقتصادية واستراتيجية، تستحق نخبًا سياسية واقتصادية تجعل من الاستثمار وسيلة للتنمية المشتركة، ومن المسؤولية العمومية تكليفًا لا تشريفًا. كما تستحق أن يكون معيار النجاح هو ما يتحقق للمواطن من فرص الشغل، وجودة الخدمات، والعدالة في توزيع ثمار التنمية.
فالطبقة الكادحة لا تبحث عن امتيازات، وإنما عن الإنصاف. ولا تطالب بالصدقات، وإنما بتكافؤ الفرص، واحترام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وعندما يشعر المواطن بأن الجميع يخضع للقواعد نفسها، وأن النجاح يتحقق بالكفاءة والعمل لا بالقرب من مراكز القرار، فإن الثقة في المؤسسات ستتعزز، وستصبح السياسة أداةً للتغيير الإيجابي، لا سببًا في اتساع الفجوة بين المواطن والنخب.
تعليقات الزوار