الصحراء بين دولة المؤسسات ومنطق الولاءات.. هل يمكن بناء سياسة جديدة؟

بقلم :محمد الحبيب هويدي

في الصحراء ، لا تبدو أزمة العمل السياسي مرتبطة فقط بالأحزاب أو بالانتخابات أو بضعف المعارضة، بل بسؤال أكبر يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والسلطة والمجتمع.

فمادامت موازين القوة السياسية والإدارية لا تُفهم دائماً من خلال المؤسسات وحدها، فإن الحديث عن معارضة قوية وفاعلة يظل صعباً. فالمعارضة تحتاج إلى أدوات وموارد وهوامش فعل حقيقية، كما تحتاج إلى مؤسسات منتخبة قادرة على اتخاذ المبادرة، ومجتمع مدني يستطيع الاشتغال باستقلالية.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في المشهد الصحراوي: خطاب رسمي يقوم على دولة الحق والقانون وتحديث المؤسسات، مقابل استمرار حضور قوي لبنيات اجتماعية تقليدية وعلاقات نفوذ وولاءات تتداخل أحياناً مع المجال السياسي.

لا يتعلق الأمر بالقبيلة في حد ذاتها، فهي مكون اجتماعي وتاريخي لا يمكن تجاهله، وإنما بالسؤال حول الحدود التي ينبغي أن تفصل بين الانتماء الاجتماعي وبين تدبير الشأن العام.

فالقبيلة يمكن أن تكون جزءاً من الهوية الاجتماعية، لكنها لا ينبغي أن تصبح معياراً للحصول على المسؤولية أو النفوذ أو الامتيازات. وفي المقابل، لا يمكن بناء دولة المؤسسات إذا ظل معيار القرب من مراكز القرار أقوى من معيار الكفاءة والخبرة والاستحقاق.

عندما تصبح المعارضة بلا أدوات

المعارضة السياسية لا يمكن أن تنجح فقط بالشعارات. تحتاج إلى إمكانيات تنظيمية، وموارد، وحضور مجتمعي، وقدرة على الوصول إلى المواطنين، كما تحتاج إلى مجال مؤسساتي يسمح لها بالمنافسة وتقديم البدائل.

وعندما تصبح أدوات التأثير السياسي والاقتصادي والإداري مركزة في يد جهة واحدة، فإن التعددية قد تبقى موجودة من الناحية الشكلية، بينما تصبح المنافسة الفعلية أكثر صعوبة.

وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً في الصحراء: هل المجالس المنتخبة تمتلك فعلاً هامشاً كافياً لصناعة القرار المحلي، أم أنها تتحرك داخل هوامش ترسمها مراكز أخرى؟

السؤال لا يستهدف مؤسسة بعينها، وإنما يتعلق بمستقبل التجربة المؤسساتية برمتها.

بين مجتمع تقليدي ومجتمع حديث

الصحراء تعيش، مثل مناطق أخرى، مرحلة انتقال بين منظومتين.

منظومة اجتماعية تقليدية تقوم على الروابط العائلية والقبلية والتاريخية، ومنظومة حديثة يفترض أن تقوم على المواطنة والحقوق والواجبات والكفاءة والمؤسسات.

المشكلة تبدأ عندما تختلط المنظومتان داخل المجال السياسي.

فإذا كان للمجتمع التقليدي رموزه وروابطه ومكانته الاجتماعية، فإن الدولة الحديثة يفترض أن تعتمد، في توزيع المسؤوليات، على معايير مختلفة: الكفاءة، الخبرة، النزاهة، الاستحقاق، والمصلحة العامة.

وهذا لا يعني إلغاء القبيلة، ولا مواجهة المجتمع التقليدي، بل يعني ببساطة منع تحويل الروابط الاجتماعية إلى بديل عن المؤسسات.

الحكم الذاتي يبدأ من هنا

إذا كان الحكم الذاتي يمثل تصوراً لمستقبل تدبير الأقاليم الصحراوية، فإن النقاش حوله لا ينبغي أن يقتصر على الصلاحيات والهياكل القانونية.

الاختبار الحقيقي يبدأ من سؤال أبسط وأكثر عمقاً:

أي ثقافة سياسية ستدير هذه المؤسسات؟

هل ستكون ثقافة تقوم على التنافس الديمقراطي والشفافية وتكافؤ الفرص، أم ستظل بعض آليات النفوذ التقليدية حاضرة داخل المؤسسات الحديثة؟

إن بناء نموذج مؤسساتي ناجح يتطلب وضوحاً في الفصل بين الحق والامتياز، وبين المسؤولية والولاء، وبين الانتماء الاجتماعي والكفاءة السياسية.

فلا يمكن أن تكون هناك حقوق خاصة لفئة على حساب حقوق المواطنين، وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل الخصوصيات الاجتماعية والتاريخية للمنطقة. المطلوب هو إيجاد توازن يجعل هذه الخصوصيات جزءاً من النسيج الاجتماعي، لا قاعدة لتوزيع السلطة والثروة والمسؤوليات.

من يحكم: الأشخاص أم المؤسسات؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي ينبغي أن يفتح في الصحراء اليوم.

فالرهان ليس فقط على تغيير الوجوه أو الأحزاب، وإنما على تغيير قواعد اللعبة السياسية نفسها.

عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، تصبح الانتخابات وسيلة لإنتاج المسؤولية وليس فقط لإعادة إنتاج النفوذ.

وعندما تصبح الكفاءة معياراً للتعيين والمسؤولية، يتراجع تأثير الولاءات.

وعندما يصبح المجتمع المدني والاعلام قادراً على النقد والاقتراح دون تبعية، يصبح شريكاً حقيقياً في التنمية.

وعندما تكون المعارضة قادرة على العمل بأدوات متكافئة، تصبح التعددية السياسية أكثر من مجرد وجود قانوني.

أما إذا بقيت الدولة، في نظر جزء من الفاعلين، مرتبطة بمراكز السلطة والنفوذ أكثر من ارتباطها بالمؤسسات، فإن تحديث الخطاب السياسي لن يكون كافياً لتحديث الممارسة.

المستقبل السياسي للصحراء لن تحدده فقط صناديق الاقتراع، بل ستحدده أيضاً طبيعة المؤسسات التي ستخرج من هذه الصناديق، ومدى قدرتها على التحرر من منطق الأشخاص والولاءات والامتيازات، والانتقال إلى منطق المواطنة والكفاءة والمصلحة العامة.

وهنا تحديداً يوجد أحد أكبر اختبارات الحكم الذاتي: ليس فقط كيف تُدار الصلاحيات، وإنما كيف تُبنى ثقافة سياسية قادرة على إدارة تلك الصلاحيات بعدالة ومؤسساتية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد